الموجز في النظريات الاجتماعية التقليدية والمعاصرة *

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الموجز في النظريات الاجتماعية التقليدية والمعاصرة *

مُساهمة من طرف sandibelch في الأربعاء يناير 06, 2010 1:41 am

الموجز في النظريات الاجتماعية التقليدية والمعاصرة *
الجزء الأول
إعداد:
د. أكـــرم حجازي
أستاذ علم الاجتماع المساعد في جامعـة تعـز- كلية الآداب- قسم علم الاجتماع- الجمهورية اليمنية.
مقدمــــة
ليست النظرية من كماليات البحث العلمي بقدر ما هي ضرورة ملحة للباحث الاجتماعي ، لذا فالدعوة إلى التخلي عنها أو التقليل من أهميتها يجب مواجهتها بالرفض التام حتى لا يُحرَم الباحث من الأرضية الرئيسية لتأسيس علمه ، إذ أنه بدون نظرية تمثل رصيدا لأي علم فلا وجود لأي أساس للعلم . إذن أهمية النظرية تكمن في أننا نقرأها لا لنفهمها ونطورها فحسب بل لأن النظرية تمثل نمطا لبناء المعرفة العلمية وضرورة لكل ملاحظاتنا ، إنها الشرط الضروري لانطلاق التفسير والتحليل حتى وإن كانت غير كافية حينا لإحداث قطيعة تامة مع التفسيرات غير العلمية . فلماذا الاهتمام بالنظرية ؟
يرى العلماء أن التقدم العلمي لا يمكن أن يتم إلا إذا أُنجز على مستوى نظري ، بيد أن المعرفة العلمية ليست مجرد تراكم للمعارف ، ذلك أن صياغة النظريات العلمية وتصوراتها وتنظيماتها إنما تتحكم فيها مجموعة من الفرضيات والمفاهيم التي يسميها ،، توماس كوهين ( Thomas Kuhn )في كتابه الشهير عن " بنية الثورات العلمية " ،، بـ " الشكل التحليلي " ؛ هذا المفهوم الذي لم تحظ ترجمته بالرضى لدى الباحثين العرب . وفي واقع الأمر فإن التقدم في البحث العلمي والتنظير ليس مسالة متوازية المسير بل متلازمة . فالتقدم العلمي لا يتمثل بمجرد تجميع للحقائق فحسب بل هو عملية تبرز في التغيير النوعي في بنية الأنساق النظرية . فإذا كان هدفنا هو الوصول إلى خلاصات هامة تتجاوز ما هو متعارف عليه فلا يمكن تحقيق ذلك من الاعتماد على الجانب الامبريقي دون ضبط للجانب التنظيري وإلا باتت بنية الأنساق النظرية جامدة وفقيرة مثلما هو الحال في علم الاجتماع الأمريكي الذي يفتقد إلى الأسس النظرية في تفسير الظواهر الاجتماعية أو الربط بين خيوط الظاهرة .
يشير عالم الاجتماع الأمريكي تالكوت بارسونز ( T.Parsons ) إلى النظرية من حيث وظيفتها أيضا في البحث العلمي : " فالنظرية لا تصبح فقط ما نعرفه ولكنها تقول لنا أيضا ما نود معرفته ، أي أنها تمدنا بالأسئلة التي تبحث لها عن الإجابة " . إذن النظرية لها قدرة فسيحة على التعامل مع الأشياء .
لو انطلقنا من بناء البحث العلمي لاستطعنا القول أنه ينطلق من جملة من المعلومات التي تتخللها إشكاليات ما وتتجه إلى صياغة ابستيمولوجية ( معرفية ) للمشكلات المثارة، ومن هذه المشكلات ننتقل بعد ذلك إلى رصيد من الفرضيات التي تكوِّن القاعدة لكل عملية تنظير . ومن الواضح أن الوصول إلى مرحلة التنظير مسألة تستدعي المرور بعدة مراحل ، فالبحث العلمي ما بين المعطيات الامبيريقية والسير نحو التنظير لا بد له من التوقف عند اقتراح الفرضيات العلمية مقابل استبعاد الفرضيات غير العلمية حتى يتسنى له الاقتراب من الإشكاليات .
ولكن ما أن نصل إلى النظرية حتى نكون أمام جدول متناسق من الحقائق المعروفة ، وبهذا المحتوى والوضوح للنظرية نستطيع أن نتبيَّن كيف تم تنظيم وبناء تلك الحقائق ، كما أن النظرية تفسر هذا البناء المعرفي وتمدنا بنقاط مرجعية تسهل علينا الانطلاق في البحث عن بنىً معرفية جديدة وحقائق جديدة .
في هذه الوثيقة المرجعية التي تتكون من جزأين سوف نتحدث عن بعض من أشهر رواد النظرية الاجتماعية بشقيها التقليدي والحديث ، فما هي النظرية الاجتماعية ؟
§ بصفة عامة يمكن القول أن النظرية السوسيولوجية هي كل محاولة فكرية تفسر جانبا من الحياة الاجتماعية ، فالنظرية السوسيولوجية في هذا الجانب يمكن اعتبارها امتدادا لما يسمى بالفكر الاجتماعي الذي ترجع جذوره إلى المفكرين والفلاسفة القدماء . وعندما نتساءل عن النظرية السوسيولوجية فالشيء الذي يميزها عن المفاهيم هو أنها قادرة على أن توفر لنا نوعا من التفسير لملمح من ملامح الحياة الاجتماعية أو ظاهرة من الظواهر .
§ ولكن هناك رؤية مختلفة ، إذ يرى البعض أن النظرية الاجتماعية ليست سوى مجموعة من الفرضيات القادرة على الصمود في ساحة البحث الاجتماعي الميداني . وبمعنى من المعاني فالنظرية ليست إطارا نظريا يساعد على التفسير إنما يمكن تطبيقها على الساحة والحياة الاجتماعية، وبالتالي فهي عبارة عن مجرد فرضية مُعَدَّةٌ للاختبار .
§ وفعليا ثمة الكثير من النظريات المعاصرة في علم الاجتماع ليست أكثر من مجموعة أفكار غير متماسكة ، أي أنها ليست مجموعة منظمة من الفرضيات التي يمكن اختبارها .
§ بهذا المعنى الذي يتحدث عن النظرية الاجتماعية بوصفها تفسيرية لأحد مناحي الحياة الاجتماعية أو مجرد فرضية قابلة للاختبار ميدانيا لن يكون أمامنا إلا التسليم بغياب النظرية الاجتماعية ، وما النظريات الشائعة إلا مجموعة من الأفكار لم تصل بعد إلى مستوى النظرية .
§ أخيرا فإذا كانت النظرية بوصفها حصيلة لتعميم يستوحيه الباحث الاجتماعي من حقائق معروفة تمثل بطريقة حاسمة وكاملة قدر الإمكان مجموعة من القوانين والفرضيات المختبرة إمبيريقيا فإن أحسن النظريات السوسيولوجية هي تلك التي تمدنا بأحسن أداة للتعامل مع واقع اجتماعي معين .
وفي علم الاجتماع المعاصر ثمة نوعين من النظريات:
§ النظريات الكبرى ، ومثالها النظرية الماركسية ذات الطرح الشمولي أو التحليل الماكرو سوسيولوجي .
§ ولكن هناك تصنيفات أخرى للنظرية الاجتماعية على أساس نظريات البنية ( النظريات البنيوية الأنثروبولوجية والاجتماعية ) أو نظريات الفعل كالنظرية التفهمية لـ ماكس فيبر .

الجزء الأول :
النظرية الاجتماعية التقليدية
الوضعيـــــــــــة 1 -
سان سيمون S. Simon
( 1825 - 1760 )
المقاربة الوضعية هي منهجية تحليله تقوم على استبعاد لأنماط الفكر والتحليل اللاهوتي ( الديني ) والميتافيزيقي ( التجريدي = الطبيعة ) من أي تحليل مقترحة بديلا عنهما الإنسان الذي بات يتمتع بقيمة مركزية في الكون ، بهذا المضمون سنكون على إطلالة لمعادلة جديدة تحكم سير الحياة الاجتماعية برمتها على النحو التالي :


الظاهرة الظاهرة الظاهرة

مرجع لاهوتي مرجع ميتافيزيقي مرجع إنساني / الوضعية
الدين الطبيعة = التجريد العقل

هذه المعادلة التي ستمثل لدى أوجست كونت المراحل التي مرت به الإنسانية ومصدر قانون الحالات الثلاث تبين لنا أن الإنسان لم يكن موضع ترحيب في المرحلتين السابقتين , إذ أن الإنسان عجز عن أن يجد له موقع أو مكانة فيما مضى لذا فقد استبعد من أي تحليل للظواهر مفسحا المجال أمام القوى الدينية أو قو ى الطبيعة . وبما انه لم يكن للإنسان أية قيمة فلم تكن أيضا للمجتمع آية قيمة, ولهذا تطورت الوضعية العلمية التي تناولت ظواهر طبيعية بينما لم تتطور ذات الوضعية حينما كانت تتناول ظواهر متعلقة بالإنسان والمجتمع , وسنرى كيف وضع أوجست كونت حدا لهذه الازدواجية في التفكير والتي يسميها الفوضى العقلية التي تسببت في ثلاث ثورات برجوازية وقعت في أعقاب الثورة الفرنسية 1789 حتى سنة 1848 ، ولكن قبل الوصول إلى أوجست كونت علينا العودة الي جذور الوضعية لدى أستاذ كونت وهو المفكر سان سيمون .
عاش سان سيمون في نظام إقطاعي سليلا لأسرة أرستقراطية ، ويحمل لقبا اجتماعيا هو الكونت وكان ضابطا برتبة ملازم أول لما كانت فرنسا تخوض حربا ضد الإنجليز في شمال القارة الأمريكية ، وقد نضج فكره حلال الثورة الفرنسية التي كانت بمثابة ثورة على النظام الاجتماعي والاقتصادي في أوروبا عامة وفرنسا خاصة وثورة على النظام المعرفي التقليدي السائد في فرنسا وثورة على النظام السياسي الملكي .
بداية المقاربة الوضعية :
بدأت المقاربة الوضعية في مرحلة الفكر الموسوعي الذي عرفه في القرن 18 واتخذت عند سان سيمون طابعا تطبيقيا عمليا وليس نظريا مثلما كان سائدا في المرحلة التجريدية أي العلم النظري المجرد ، ففي القرن 18 طور الفكر الموسوعي آليات تحليل جديدة تقوم على الترابط بين المعرفة والواقع الإنساني لذا سيمثل هذا الفكر مرجعية سان سيمون . فمن أين البداية إن لم تكن من المقاربة الوضعية للدين ؟
أ‌. تعريف سان سيمون للدين :
في كتابة الشهير ( المسيحية الجديدة ) يعرف الدين بأنه :
" جملة تطبيقات العلم العام التي يمكن بواسطتها أن يحكم الرجال المستنيرون غيرهم من الجهلة " .
بهذا المضمون فان الديانة عند سان سيمون هي أداة مدنية للحكم المستنير لغير المستنيرين . وبما أن الدين يلعب دورا في التربية لذا فان التربية هي العنصر الذي يساعد على توطيد المشاعر الديمقراطية وتحقيق القيم الأساسية .
مفهومي " السياسة " و " الديمقراطية = الحرية "
• السياسة هي علم الإنتاج .
• الحرية هي نبذ الميز العرقي والثقافي والسياسي .
فما الذي يحدث عندما يلتقي المفهومان ؟ سنلاحظ تغييرا في مفهوم الأمة. وإذا أعطينا هذين المفهومين مدلولا وضعيا وتصورا موضوعيا ( أي محاكمة المفهومين وتحليلهما علميا وليس دينيا ولا تجريديا ). فالذي سيحدث أن أمة جديدة ستنبثق .هذه الأمة متحررة من الميز الديني والانغلاق مثلما ستكون متحررة من تبعات الإقطاعية . ومثل هذه الأمة الجديدة يسميها سان سيمون بـ " الأمة العاملة " .
استنتاج أولى :
من الملاحظ أن تغير القاعدة المعرفية تسبب في تغير النتائج . فلو نظرنا إلى المفهومين في المراحل السابقة على الوضعية فلا يمكن الحديث عن أمة عاملة بالمعنى السان سيموني لان السياسة كانت حكرا على طبقة معينة ولان المجتمع ليس حرا ولا يتمتع بأية عدالة , ومثل هذه السياسة والعبودية كانتا تجدان لهما شرعية ذات طابع ديني أو طبيعي . بيد أن الوضعية بوصفها استعمال للعقل ورفع من مكانة الإنسان قدمت السياسة كأداة حيوية في تنشيط الحياة الاجتماعية والاقتصادية ونقلت الأمة من طور الخمول والكسل إلي طور العقل والإنتاج ووضعت الجميع على قدم المساواة وأصبح الإنسان سيد نفسه حرا من ا ي تمييز عرقي أو ثقافي أو سياسي .
هكذا فالانتقال من المرحلة الإقطاعية اللاهوتية إلى المرحلة الصناعية العلمية هو انتقال من ساحة العلم النظري إلي ساحة العلم التطبيقي العملي . فالوضعية تأبى الاعتراف بفواصل مابين النظري والعملي إذ ثمة ترابط بين المعرفة والواقع ألإنساني .
المواطنة والعدالة الاجتماعية :
يربط سان سيمون بين مفهوم المواطنة الذي جلبه معه من أمريكا حيث كان يقاتل الجيش الإنجليزي في بلد تعج فيه الثورات الأهلية الكبرى والعارمة وبين العدالة الاجتماعية بل انه ينحاز إلى مفهوم المواطنة معلنا في كتابه ( المسيحية الجديدة ) تخليه عن لقبه الكونت :
[ لم يعد ثمة أسياد .نحن جميعا متساوون .وأعلمكم بهذه المناسبة أنني أتخلى عن صفتي الكونت التي اعتبرها وضعية جدا أمام صفتي كمواطن ..]
تبع هذا الإعلان حسما لتردد سان سيمون في تأييده للثورة الفرنسية في البداية ثم نال لقب المواطن الصالح مرتين متتاليتين مما يعني انه بات رمزا للتحرر والمساواة والتجديد . هذه النقلة في حياة سان سيمون – المواطن الصالح – ليست نقلة سياسية فحسب بل نقلة اجتماعية وفي هذا الأساس نقلة فكرية ومعرفية في ذات الوقت . كما أن هذه النقلة أيضا جهد سان سيمون في ترجمتها من خلال عمله الدؤوب من اجل تغير مضمون المسيحية من الداخل وإكسابها مضمونا جديدا علميا يقوم على مبدأ الحرية والمساواة . هكذا يبدو الدين هو العلم العام كما يصرح سان سيمون .
عودة إلى مفهوم الدين :
إذن الدين ليس حالة ثابتة بقدر ما هو حالة تطورية ولما يتساءل عن الدين وماهية الأديان نراه في كتاب ( المسيحية الجديدة ) يقول بتطورية الأديان وعدم بقائها على حالها .
[ الأديان مثلها مثل بقية المؤسسات تتمتع بطفولة وفترة قوة ونشاط وأيضا مرحلة انهيار وحين تكون في مرحله انهيار فأنها تكون ضارة ,أما في مرحلة الطفولة فهي غير كافية ..]
ب‌. قراءة في المقاربة الوضعية للأديان عند سان سيمون :
السؤال : لماذا ينظر الكثير إلى سان سيمون على انه من مؤسسي علم الاجتماع الديني؟
لانه في واقع الأمر ساهم ولو بشكل محدود في تأسيس هذا العلم . ومن حيث الجوهر لان سان سيمون قدم الأديان بوصفها ظواهر اجتماعية وإنسانية من الممكن تحلياها تحليلا علميا كبقية الظواهر الأخرى . بل أن سان سيمون قاربها كما فعل ابن خلدون في نظريته حول تداول الحضارات التي تنشأ ثم تقوى ثم تنهار, وهكذا بدا له الدين . إذن الوضعية تخلصت من كل الثوابت المقدسة .
ت‌. ما هو الدور الذي تلعبه الفلسفة الوضعية ؟
يلاحظ أن الوضعية الجديدة كما مارسها سان سيمون لا تهدف فقط إلى تغيير شروط إنتاج المعرفة بل الى تغيير النظام السياسي والمؤسساتي والاقتصادي . بمعنى أن الوضعية تمثل نقلة جذرية في النظام السياسي والاجتماعي القائم . وما لم تحدث هذه النقلة فمن المستحيل أن نتحدث عن أمة عاملة .
إذن ثمة تغييرات تجعل من المجتمع عنصرا إيجابيا .
والسؤال هو: ما هي مستويات التغيير الجديد بحسب المقاربة الوضعية ؟
أولا : تحقيق العدالة في مضمونها السياسي والاجتماعي واستبعاد الدين من الحياة الاجتماعية
ثمة مبدأ يحكم تحقيق العدالة المنشودة ذو بعد شخصي وعلمي لدى سان سيمون . هذا المبدأ هو وجوب جبر الهوة الفاصلة بين النظري والتطبيقي للوصول إلى علاقة تكاملية بين المستويين ، ودون ذلك سيظل هناك ازدواجية تحافظ على استمرارية الهوة الفاصلة لذا لابد من إنجاز منظومة ابستيمولوجية ومعرفية جديدة تقوم على التكامل بين البعدين النظري والتطبيقي ولعل أوضح مثال هو ما طبقه سان سيمون على نفسه تعلق في دعوته إلى تحقيق العدالة تخليه عن لقب الكونت وإعلائه لشأن المواطنة ( لم يعد بيننا أسياد…).
هذه المقاربة الوضعية الباحثة عن العدالة السياسية والاجتماعية ستسعى عمليا إلى :
• هدم العناصر السياسية والمؤسسية المكونة للنظام السياسي والاجتماعي القديم والتي من بينها التميزات الطبقية والاجتماعية والمسيحية في شكلها التقليدي
• لذا فان سان سيمون سيرسي دعائم تعامل معرفي جديد مع الظاهرة الدينية بمختلف تنظيماتها ومؤسساتها ، تعامل يقوم على اعتبار الظاهرة الدينية ظاهرة اجتماعية إنسانية من خلال إخراجها من دائرتها المقدسة والنظر إليها باعتبارها ظاهرة إنسا نية ، هذا المبدأ المعرفي الجديد تجاه الظاهرة الدينية سنجده حاضرا وقائما في كتابات الكثير من العلماء مثل غاستون لبلوس G.lebles و هنري و دوركايم و مارسيل موس , هذه الأسماء بالإضافة إلى ماكس فيبر سيكونون أهم المتخصصين في علم الاجتماع الديني مستنيرين بأطروحات سان سيمون ومفهومه للدين ومنهج التعامل معه .
ولكن لماذا يجهد سان سيمون لاستبعاد الدين من الحياة الاجتماعية ويشدد على تشجيع التعامل الجماعي بين أفراد المجتمع ؟ ثم لماذا تنقل سان سيمون بين الكنائس مبشرا بالمسيحية الجديدة ؟
مجتمع سان سيمون
إن مجتمع سان سيمون هو مجتمع صناعي علمي , ومثل هذا المجتمع يبحث عن دماء جديدة لضخها في عروقه كما انه يحتاج إلى وحدة معرفية ومعيارية وبالتالي لابد من القضاء على مخلفات النظام القديم بكل منظوماته وتشكيلاته ومعتقداته وتصوراته وبناه وأنماط تفكيره وتحليله إذا ما أردنا تحقيق العدالة والتقدم فكيف العمل ؟ وما العلاقة بين الدين والمجتمع الجديد ؟
يحرص سان سيمون على تجاوز الدين اعتقادا منه انه العقبة التي تشجع الفراغ . ولأنه ثمة تناقض بين الفراغ والعمل الجماعي المنتج لذا ينبغي أن نغير مضمون الدين بان نكسبه مضمونا جديدا يتمثل في نظام بشري جديد. ولان الإنتاج الجماعي أو الخلق الجماعي تحديدا يقوم على الإنتاج البشري ، لذا ينبغي فك التناقضات التي يعاني منها مجتمع ما بعد الثورة – أي المجتمع الصناعي – إذ يلاحظ سان سيمون أن المجتمع ما زال في حالة صراع قائم على:
• معرفة لاهوتية ومعرفة علمية .
• سلطة إقطاعية وسلطة صناعية .
إذن ثمة تحالف بين المعرفة اللاهوتية والسلطة الإقطاعية ضد المعرفة العلمية والسلطة الصناعية ولفك هذا التناقض أو التحالف ينبغي استبعاد الدين للسماح بمرور العمل الجماعي المنتج وقتل الفراغ .
ثانيا: تشجيع العمل والإنتاج
إن التغيير الجديد التي تريد إرساءه المقاربة الوضعية يقوم أساسا على العمل والإنتاج كيف ذلك؟
بانتشار الأفكار الوضعية بفعل انتشار الصناعة .
إذ يعتقد سان سيمون أن انتشار الأفكار الوضعية ستساعد وستشجع على انتشار الصناعة التي هي الشرط الأساسي والوحيد لقيام مجتمع وضعي ومعرفة وضعية ، فالصناعة بطبيعتها تخلق مجتمعا وضعيا وتصورات وضعية في نفس الوقت استنادا إلى مبدأ يعتبر أنا لمعرفة العملية تعني المعرفة العلمية . إذن الصناعة هي مبدأ مركزي في كل النظريات المعرفية ،هذا المبدأ نجده لدى الفكر الاشتراكي الطوباوي الذي يشمل ويعبر عنه سان سيمون و قودوين و بودون .إذ أن الفكر الاشتراكي الذي يعد سان سيمون عميده بني على مركزية مبدأ الصناعة . بمعنى أن الصناعة تشجع بطبيعتها على خلق القيم الوضعية المستقلة عن الفكر الديني والكنسي في نفس الوقت . كما نجد مركزية مبدأ الصناعة عند دوركايم من خلال كتابيه " تقسيم العمل الاجتماعي "و" الانتحار " وكذا مع ماكس فيبر في كتابه " الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية ".
قيمة الصناعة ومكانتها :
إذن الصناعة في الفكر السياسي والاجتماعي الغربي عامة والفرنسي خاصة هي شرط كل التحولات النوعية والفكرية والاجتماعية .
مثال 1 :
العقلانية كما عبر عنها ماكس فيبر هي قيمة بيروقراطية وصناعية قبل كل شيء فالمجتمع الذي لا يملك بيروقراطية و أبنية صناعية لا يمكن ولا يحق له أن يدعي العقلانية.
مثال 2 :
يقيم سان سيمون مقاربة بين الإنتاج والكسل وأمة كسولة وأمة عاملة ويتساءل في إطار المقاربة الوضعية : هل يمكن أن يحصل تعايش بين الأمتين ؟ لذا يطالب سان سيمون بالحزم مع الأمة الغير منتجة بضرورة إزاحتها ولتحل محلها الأمة المنتجة ولكن ما هي أداة التغيير ؟
وفي المجتمع الإقطاعي يعود سان سيمون ليؤكد على استعمال أدوات المعرفة الوضعية والعمل على القضاء على الهوة الفاصلة بين البعد النظري والبعد التطبيقي للوصول الى وحدة المعرفة , هذا هو جوهر المقاربة الوضعية . لذا نجد سان سيمون يصر على استبدال المضمون القديم للمسيحية بمضمون جديد يعمل على تطويرها من الداخل ، هذا المضمون الجديد يتمثل في كتابه " النظام الصناعي " من خلال :
• التأكيد على سعيه إلى تكوين مجتمع حر .
• التأكيد على نشر المبادئ والقيم التي ستكون أرضية النظام الجديد .
• التأكيد على إن النظام الاجتماعي يستند على ثلاث فئات :
أ‌. الفنانون لأنهم يفهمون قيم التغير ويشكلون أداة تشجيع للمجتمع حتى يغير أوضاعه القائمة .
ب‌. العلماء الذين يقترحون تصورات وبدائل ووسائل عامة يمكن استعمالها لتحسين حال الأغلبية.
ت‌. الصناعيون الذين يشجعون المجتمع على القبول بالمؤسسات الجديدة .
أما منطق الترتيب أعلاه فهو التقاء الإلهام مع التفكير ومع الإبداع والمهم في هذا التصنيف أن الصناعيين يتربعون على قمة المجتمع الصناعي وفي أعلى مراتب النظام الاجتماعي الجديد . ولنقرأ أهميه المقولة التالية لـ سان سيمون :
[ لو حدثت في ليلة صماء فاجعة مفاجئة ذهبت بأكثر الشخصيات الكبرى من الأسرة المالكة والوزراء وكبار القضاة…وسواهم ممن هم في هذه الطبقة , فان الشعب الفرنسي سيبكيهم حتما لأنه شعب حساس , ولكن هذه الفاجعة لا تبدل شيئا مهما أو تغير تغييرا ذا اثر في أعماق الشعب , أما لو ذهبت هذه الفاجعة برؤوس العلماء والصناعيين وأرباب المصارف والبنوك … فان خسارة المجتمع فيهم كبيرة جدا لان مثل هؤلاء لا يمكن تعويضهم بسهولة !!] ( راجع : تاريخ السوسيولوجيا / غاستون بول ) .
استنتاجات
أ.) في مجتمع العدالة والمساواة ، هو المجتمع الحر الذي يقوم على حركة جمعانية أي مجموعة من المواقف لم يعد الفرد فيه خاضعا
• هذا المجتمع أُخرج الفرد من مرحلة الفكرة ليصبح مواطنا . وهذه نقلة سياسية واجتماعية .
• أشرك الفرد مع الآخرين ( المجتمع ) في عمل جماعي واحد وإبداع واحد وخلق واحد .
هذا يعني أن الوضعية بالمضمون السان سيموني تعبر عن مردودية الفرد وليس فقط تغيرا في الأوضاع الاجتماعية والسياسية . كما يعني أن سان سيمون يراهن على دور المجموعة على التغير ، هذه المجموعة التي تبنى على ثلاث مستويات وهي :
• الإنتاج
• التقنية
• الصناعة
ب.) العناصر الأساسية التي اعتمدتها المقاربة الوضعية مع سان سيمون هي :
1. تحييد الدين والفكر اللاهوتي عن كل مشاركة في الحياة العملية .
2. وضع أسس مشروع علمي وفكري ومعرفي يقوم على مبدأين أساسين هما:
ـ مبدأ العلمية ؛ فلا تعامل بعد الآن مع الظواهر والأشياء إلا من منظور علمي .
ـ مبدأ العلمنة وفيه تحييد وإقصاء صريح للدين .
هذه هي آليات التحليل العلمية التي ضمنها سان سيمون للمقاربة الوضعية وهي الآليات التي سنجدها مستعملة في النص الكونتي بطريقة أو بأخرى . هذه أيضا هي الأرضية المعرفية والعلمية التي سينطلق منها أوجست كونت ليجعل من المقاربة الوضعية أكثر قربا من الواقع والتحليل . ومبدئيا فالمقاربة الوضعية ستجمع بين مستويين رئيسيين :
1. المستوى النظري : عبر قراءة العلوم وتنظيمها وتثبيتها وهو ما قام به سان سيمون
2. المستوى التطبيقي : وهو تطبيق عناصر المقاربة الوضعية في تحليل واقع المجتمع
ومن هذه الأرضية المعرفية سينطلق أوجست كونت في ترتيب بيت العلوم.
الوضعيــــــــــــة - 2

أوجست كونت / A. Comt
( 1857 – 1798 )

أولا : حياته
عمل أوجست كونت سكرتيرا لسان سيمون وتأثر به اشد التأثر . واتصل بتقاليد القرن 18 الموسوعية فكان ذو سعة معرفية . وقد امتاز مجتمعه بالاضطراب والفوضى حيث المرحلة الانتقالية بين التقليد والحداثة . ونجد أن عصره امتاز بشيوع ظاهرتي النماء (التنمية) والتقدم (التحديث) . وأشد مايؤثر عنه سعيه إلى بناء شجرة المعرفة حيث صنف العلم تصاعديا: الرياضيات – الفلك - الفيزياء –الكيمياء –الأحياء وأخيرا السوسيولوجيا.
ثانيا : تأسيس علم الاجتماع بين الضرورة والحاجة
إن قيام علم الاجتماع في عصر كونت جاء كضرورة اجتماعية وحاجة علمية ملحة حتمتها الرغبة في إصلاح المجتمع وإنقاذه من الفوضى الضاربة فيه.ذلك أن حالة المجتمع الفرنسي بعد الثورة اتسمت بـ :
ـ فوضى عقلية فاضطراب خلقي وفساد عام
ـ وإن انسجام المصالح المادية والمنافع المتبادلة لن تحقق الاستقرار والتقدم.
لذا فإن تنظيم أي شأن من شئون الاجتماع والأخلاق والسياسة والدين لن ينجح إلا إذا سبقه تنظيم عقلي للآراء ومناهج البحث وطرق التفكير .
ماهية فوضى العقل :
وجد أوجست كونت أن الفوضى العقلية ناجمة عن وجود أسلوبين متناقضين للتفكير وفهم الظواهر :
* الأسلوب الأول :
هو الأسلوب العلمي الذي يستعمله الناس للتفكير في الظواهر الكونية والطبيعية والبيولوجية .
* الأسلوب الثاني :
هو التفكير الديني الميتافيزيقي الذي يستعمله الناس للتفكير في الظواهر المتعلقة بالإنسان والمجتمع .
السؤال هو : كيف يمكن التوفيق بين نمطي تفكير متناقضين في وقت يسعى كونت إلى تحقيق وحدة المعرفة الإنسانية.
ثلاث مقترحات لمواجهة الفوضى :
أولا : التوفيق بين التفكيرين الوضعي والميتافيزيقي بلا أي تناقض ،فما هو محتوى التفكيرين ؟
المنهج الوضعي
• يقوم على الملاحظة وتقرير طبائع الأشياء كما هي
• يدرس الحقائق الجزئية وعناصر الظواهر بحثا عن أسبابها المباشرة
• يؤمن بخضوع الظواهر لقوانين يمكن الكشف عنها
• منهج نسبي غايته كشف القوانين العلمية
المنهج الميتافيزيقي
• يقوم على التأمل النظري والبحث المطلق.
• يدرس الحقائق الكلية بحثا عن العلل الأولى
• لا يؤمن بخضوع الظواهر لقوانين يمكن الكشف عنها
• منهج مطلق غايته وضع مبادئ فلسفية لاسبيل إلى تصورها
من الواضح أن مقاربة هذين النمطين من التفكير أو أي محاولة للجمع بينهما ستؤدي إلى اضطراب عقلي في أذهان الناس . لذا ينبغي التخلي عن هذه المقاربة المستحيلة بسبب الفرو قات الحادة بين المفكرين .
ثانيا : صرف النظر عن التفكير الوضعي وإنجازاته وإخضاع كل العقول والعلوم إلى المنهج التيولوجي الميتافيزيقي كمنهج عام وشامل .
هذا الحل قد يعيد إلينا الوحدة العقلية ولكن هل يمكن تحقيقه علميا؟
• من استحقاقات هذا الحل القضاء ليس على الطريقة الوضعية فحسب بل إنكار كل الانتصارات العلمية التي تحققت في التاريخ الإنساني انطلاقا من التفكير الوضعي . مثلا علينا أن نتنكر لاختراع الطباعة وإنجازات كوبرنيك و جاليليو و ديكارت و بيكون و نيوتن وغيرهم ممن اشتغلوا بالأبحاث الوضعية وأوصلوا لنا تراثا عقليا أورثونا إياه .
• من جانب آخر فإذا تراجعنا عن الوضعية كنمط للتفكير فهل سننجح في تجميد القدرة على التفكير؟ هل نستطيع الحد من تطور التفكير وإبقائه جامدا على حاله؟ وهل نستطيع أن نتحكم في قوانين الطبيعة التي حكمت على المراحل السابقة بالفساد فنمنعها من أن تحدث النتيجة نفسها؟ من المؤكد أن جعل التفكير الوضعي شيء من قبيل العدم مستحيل شكلا ومضمونا .
ثالثا : تعميم النهج الوضعي وجعله منهجا كليا عاما وشاملا لكل ظواهر الكون [= وحدة المعرفة الوضعية ]
من استحقاقاته القضاء على ما تبقى من الفكر الميتافيزيقي ومظاهره وأن يفهم الأفراد ظواهر الاجتماع اعتمادا على المنهج الوضعي بما في ذلك ظواهر الإنسان والمجتمع التي كانت تستبعد من التحليل الوضعي قبل أوجست كونت .
ولكن ثمة شرطين لفهم الظواهر على الطريقة الوضعية :
1. أن تكون هذه الظواهر خاضعة لقوانين بحيث لا تسيرها الأهواء والمصادفات . وهذا شرط متوفر في الظواهر الاجتماعية كون المجتمع جزء من الطبيعة الكلية كما أن جميع نواحي الطبيعة خضعت لقوانين ثابتة أمكن الوصول إليها .[ هذه هي جواهر الصراع بين علماء الاجتماع حول وجود قوانين للظاهرة الاجتماعية أم لا ؟]
2. هو معرفة الناس لقوانين الظواهر وهو أمر لا يتوفر إلا اعتمادا على الدراسة الوضعية عبر باحثين مهمتهم الكشف عنها . وهذه مسألة تتطلب قيام علم جديد وهو علم الاجتماع .
هكذا يمكن القضاء على الفوضى العقلية والاجتماعية والأخلاقية وتحقيق الإصلاح المنشود.
ولادة علم الاجتماع الحديث
أول اسم أطلقه كونت على العلم الجديد كان " الطبيعة الاجتماعية = الفيزياء الاجتماعية = physique social " ثم اسماه بعلم الاجتماع sociology .
مفهوم الظاهرة الاجتماعية :
لم يعطها تعريفا على الرغم انه عني بتعريف الظاهرة الطبيعية والكيميائية والبيولوجية . لماذا؟
لأنه كان يرى أن علم الاجتماع يدرس كل الظواهر التي لم تدرسها العلوم السابقة عليه. ولأنه يرى من العبث تعريف الظاهرة الاجتماعية او تحديدها باعتبار كل الظواهر الإنسانية بما في ذلك ظواهر علم النفس هي ظواهر اجتماعية .
موضوع علم الاجتماع
مثل الظاهرة الاجتماعية لم يحدد كونت موضوعا لعلم الاجتماع معتبرا ان الإنسانية هي موضوع العلم وهي الحقيقة الجديرة بالدراسة والبحث . ولكن إذا كانت الإنسانية هي موضوع علم الاجتماع . فكيف؟ وأية علاقة بفلسفته العامة ؟
إن الإنسانية كموضوع لعلم الاجتماع يدرسها كونت في حالتين :
* الحالة الأولى : الديناميك الاجتماعي
في هذه الحالة تهتم السوسيولوجيا بدراسة قوانين الحركة الاجتماعية والسير الآلي للمجتمعات الإنسانية والكشف عن مدى التقدم الذي تخطوه الإنسانية في تطورها .أي دراسة الاجتماع الإنساني برمته وانتقاله من حال الى حال . هذه الحالة تقوم على أساس فكرة التطور والتقدم .
* الحالة الثانية :الستاتيك الاجتماعي
موضوعها هو دراسة المجتمعات الإنسانية في حالة استقرارها في فترة معينة من تاريخها وكذلك الاجتماع الإنساني في تفاصيله وجزيئاته وفي نظمه وقواعده السياسية والقضائية والاقتصادية والأخلاقية والدينية …الخ وفي عناصرها ووظائفها بهدف الكشف عن القوانين التي تحكم التضامن بين النظم الاجتماعية ( فكرة التضامن والنظام ) .

أ‌. الحالة الأولى : الديناميك الاجتماعي
تدور أبحاث كونت في هذه الحالة حول نظريتين أساسيتين هما قانون الأدوار الثلاثة وتقدم الإنسانية .
أولا : قانون الحالات الثلاث
يجيء ثمرة لدراسة كونت للديناميك الاجتماعي الذي رأى فيه:
[ دراسة قوانين الحركة الاجتماعية والسير الآلي للمجتمعات الإنسانية والكشف عن مدى التقدم الذي تخطوه الإنسانية في تطورها ]
إن ملخص القانون قانون الأدوار الثلاثة هو:
" إن العقل الإنساني أو التفكير الإنساني قد انتقل في إدراكه لكل فرع من فروع المعرفة من الدور الثيولوجي ( الديني اللاهوتي ) إلى الدور الميتافيزيقي وأخيرا إلى الدور الوضعي او العلمي " .
معنى هذا الملخص :
• يعني أن تاريخ الفنون والنظم والحضارة إجمالا وتطورها ومظاهر القانون والسياسة والأخلاق وما إليها لا يمكن فهمه إلا إذا وقفنا على تاريخ التطور العقلي بوصفه المحور الأساس الذي تدور حوله كل مظاهر النشاط الاجتماعي والسبب في ذلك أن الفكر هو الدعامة لكل نواحي الحياة الاجتماعية .
• ولما كان الفكر / العقل بهذه الأهمية الحاسمة فلا بد إذن أن يتبعه تطور منسجم معه في جميع نواحي الحياة الاجتماعية ، وهذا يعني أن كل تغيير في الحياة الاجتماعية إنما يكون نتيجة للتطور التفكير.
محتوى القانون :
‌أ. الدور اللاهوتي :
يقصد فيه كونت أن العقل سار على أساس التفسير الديني، فقد كانت الظواهر تفسر بنسبتها الى قوى مشخصة ابعد ما تكون عن الظاهرة نفسها كالآلهه والأرواح والشياطين وما الى ذلك كتفسير ظاهرة النمو في النبات بنسبتها الى الله عز وجل او الى أرواح النبات وعدم الأخذ بأسباب النمو الدنيوية .
‌ب. الدور الميتافيزيقي ( الفهم التجريدي ) :
في هذا الدور نسب تفسير الظواهر الى معاني مجردة او قوى خيالية او علل اولى لا يمكن إثباتها كتفسير نمو النبات بقوة ارواح النبات .
‌ج. الدور الوضعي ( العلمي ) :
الدور العلمي هو أن يذهب العقل في تفسير الظاهرة بنسبتها الى قوانين تحكمها وأسباب مباشرة تؤثر فيها كتفسير ظاهرة النمو النباتي بالعوامل الطبيعية والكيميائية والقوانين المؤلفة لهذه الظاهرة .
مدى صحة قانون الحالات الثلاث :
‌أ. القانون صحيح من حيث العودة الى تاريخ العلوم من ناحية وتاريخ الإنسانية من ناحية أخرى ، وقد ثبت بالدراسة والبحث لدى اوجست كونت أن كل فروع المعرفة مرت بصدد تفسيرها للظواهر من الدور اللاهوتي الي الدور الميتافزيقي انتهاء بالدور العلمي .
‌ب. يعقد كونت موازنة بين أدوار الإنسانية الثلاثة وبين الأدوار التي يمر بها الفرد في نشأته :
* المرحلة البيثولوجية = تشبه مرحلة الطفولة لدى الفرد .
* المرحلة الميتافيزيقية = تشبه مرحلة الشباب والمراهقة .
* المرحلة الوضعيـة = تشبه مرحلة الرجولة والاكتمال .
هكذا تغدو الإنسانية شأنها شأن الفرد في مراحل نموها وتقدمها.
ثانيا : نظرية التقدم
الفكرة السائدة لدى أسلاف كونت من المفكرين حول الوضع الاجتماعي هي :
[ أنهم درسوا الحركات الاجتماعية بوصفها اضطرابات او ذبذبات تحصل في المجتمعات ].
فكرة أوجست كونت هي :
[ إن السير الاجتماعي لابد أن يكون خاضعا لقوانين ] لذا فان كونت يفهم من معنى كلمة ( التقدم ) سيرا اجتماعيا نحو هدف معين لايمكن الوصول إليه إلا بعد المرور بأدوار ضرورية محددة . هكذا تفطن كونت إلى القول بأن المجتمعات تسير وفقا لقوانين ضرورية تحدد بالضبط سير تقدمها والشروط او الظروف الضرورية لذلك . وهو الأمر الذي لم يتوصل له سابقوه مثل بسكال و كوندرسيه و هلفيتيوس .
التقدم أو التحسن المصاحب للانتقال من مرحلة الى أخرى :
ثمة مظهرين مصاحبان الإنسانية في الانتقال وهما متلازمان :
1. تحسن في الحالة الاجتماعية :
هو تقدم مادي وهو أوضح وأسرع حركة وأسهل حدوثا و اقرب تحقيقا . ويتوقف حدوثه على مقدار معرفتنا بقوانين الظواهر الاجتماعية والتدخل على ضوئها لتحقيق الإصلاح أو التقدم المنشود ، وبمقدار ما تعجل الإنسانية بتدخلها بمقدار ما تختصر الزمن لان عملية التقدم شاقة وبطيئة وتعترضها الكثير من الصعاب والأزمات .
2. التحسن في الطبيعة الإنسانية :
هو تحسن بيولوجي وعقلي . فالتحسن البايولوجي أدى إلى زيادة عمر الإنسان أو تقدم القواعد الصحية وفن الطب . أما التقدم العقلي فأدى الى كشف وسائل جديدة للسيطرة على الطبيعة وتسخيرها لخدمة الإنسان لان العقل والذكاء عبارة عن آلة يمكن استعمالها بصفة مطلقة في توسيع نطاق التدخل الإنساني والإشراف على الكون ومظاهره .
ب‌. الحالة الثانية : الستاتيك الاجتماعية
في هذه الحالة يتصدى كونت للمجتمع من خلال الستاتيك الاجتماعي الذي يعرفه بـ :
• دراسة المجتمعات الإنسانية في حالة استقرارها كونها ثابتة في فترة معينة من تاريخها.
• كذلك دراسة هذه المجتمعات في تفاصيلها وجزيئاتها من حيث العناصر والنظم الاجتماعية المكونة لها .
أما نظرة كونت للمجتمع
فهي نظرة أسست لعلم الاجتماع الدوركايمي ؛ بل لجوهر علم الاجتماع فيما بعد . فما هي نظرية كونت في المجتمع ؟
ينظر كونت الى المجتمع باعتباره كلية اجتماعية تتكون من جميع الأفراد الأحياء منهم والأموات أو ما يمكن تسميته بالذاكرة الاجتماعية الحية والماضية بكل ما تشتمل عليه من بنى ومؤسسات وعلاقات وتراث وسلوكات وثقافات تعبر بانصهارها جميعا عن كلية اجتماعية أو ما يمكن تسميته بالتعبير الفلسفي بـ " الوجود الاجتماعي " . ويشدد كونت في بحوثه على تحليل القدرة الاجتماعية ليثبت أن الاجتماع الإنساني هو الحالة الطبيعية للإنسان وبالتالي فان المجتمع مقدم على الفرد ولا يزول بزوال أفراده.
نظرة كونت هذه للمجتمع تنسف نظريات العقد الاجتماعي التي تتعامل مع المجتمع وكأنه مركب صناعي تكون عن قصد بين الأفراد في صيغة عقد اجتماعي بينهم انتقلوا بموجبه من الحياة الوحشية \العدوانية الى الحياة المدنية .
مكونات المجتمع [ مصدر القوة الاجتماعية ؟]
التحليل الستاتيكي للمجتمع حسب كونت يتكون من تحليله لثلاث مكونات هي:
• الفرد ( نفي للعبقرية الفردية كمؤثر في تقدم البشرية )
فالفرد لا يعتبر عنصرا اجتماعيا ولا قيمة لقوته الطبيعية لأن القوة الاجتماعية مستمدة من تضامن الأفراد ومشاركتهم في العمل وتوزيع الوظائف بينهم ، كما أنه لا قيمة أيضا لقوة الفرد العقلية الاباتحادها مع غير من القوى . ولا قيمة أيضا لقوة الفرد الأخلاقية وليدة الضمير الجمعي والتضامن الأخلاقي في المجتمع . وفي المحصلة فإن الفردية لا يتحقق فيها أي شئ من المظاهر الجمعية دون امتزاج العقول وتفاعل وجدانات الأفراد واختلاف وظائف وتنوع الأعمال ذات الأهداف الواحدة والغايات المشتركة .
• الأسرة :
هي أول خلية في جسم التركيب الجمعي وهي ابسط وسط يتحقق فيه مظاهر الحياة الاجتماعية من امتزاج للعقول وتفاعل للوجدانات واختلاف في الوظائف وتنوع في الأعمال وهي أيضا اتحاد له طبيعة أخلاقية لان المبدأالاساسي في تكوينها يرجع في نظر كونت الى وظيفتها الجنسية والعاطفية ، إذ ثمة ميل متبادل بين الزوجين من جهة وعطف متبادل بينهم والأبناء من جهة أخرى .فالمشاركات الوجدانية موجودة بين افراد هذ المجتمع الصغير وثمة واجبات على كل فرد في الأسرة ثمة وتربية ونزعة دينية يغرسها الوالدان في أولادهم.
• المجتمع :
هو وحدة حية ومركب ومعقد أهم مظاهره التعاون والتضامن لذا فهو من طبيعة عقلية ووظيفية أخلاقية تابعة لها ولاحقة ومترتبة عليها . أما مبدأ التعاون والتضامن فهو الذي يحكم المجتمع ويسيطر عليه . هذا المبدأ يسمى " تقسيم العمل وتوزيع الوظائف الاجتماعية " لدى المفكرين المحدثين .
يرى كونت أن التضامن الاجتماعي مبدأ لا يمكن أن يتحقق بصورة كاملة إلا إذا وجه المسؤولون عنايتهم الى إصلاح ثلاث نظم اجتماعية أساسية هي :
1. نظام التربية والتعليم
يعتقد كونت أن النظام التربوي والتعليمي ينبغي أن يكون نظاما وضعيا مبنيا على أسس علمية مرنة وبديلا عن النظام الميتافزيقي ذو النظرة المجردة .وهذا يستوجب فصله عن السياسة لإبعاده عن النفاق والإثارة للخصومات وإفساد الطبائع . كما يرى ضرورة تقسيم مراحل التعليم الى ثلاثة مراحل هي الابتدائية والثانوية والعالية .
2. إصلاح نظام الأسرة
دعا كونت لأن تبنى الأسرة على أساس الأخلاق الكاثوليكية وترويض الأفراد على تقبل مبدأ التضامن الاجتماعي ونبذ الأنانية. ولهذا الغرض منح ألام دور كبير في التنشئة الاجتماعية والتربية وغرس مبادئ الدين الوضعي في الأطفال او ما اسماه كونت بـ" عبادة الإنسانية " .
3. إصلاح النظام السياسي
الحكومة هي دليل على تقدم المجتمع وليست شرا لابد منه مثلما كان سائدا في القرن 18 لأن تقدم المجتمع مرهون بمدى انقياد الأفراد للحكومة ومدى بسط سلطتها عليهم ، أما وظيفتها فهي تحقيق مبدأ التضامن الاجتماعي والحرص على وحدته ، وعلى الحكومة أن ترعى وظيفتها المادية والروحية أي الجمع بين السلطتين الزمنية والدينية وأن تعمل على حفظ الدين وحمايته وغرسه في قلوب الأفراد .
ويجدر التذكير أن كونت درس النواحي الاقتصادية والأخلاقية والدينية في المجتمع ، ونقد النظريات الاقتصادية السائدة في عصره وكذا الأخلاقية والحاجة الماسة الى مجموعة منظمة من العقائد.
ثالثا : أسس الدراسة ومنهج البحث
أهم أسس البحث الوضعي
1. تشدد الوضعية كنمط تفكير علمي على إحلال فكرة القانون محل فكرة القوى الخارقة للعادة التي تحكمت طويلا بتفسير الظواهر العلمية .
هكذا فان الوصول الى القانون العلمي الذي يحكم سير الظاهرة ويفسرها سيكون في إطار الوضعية المطلب الأول والمحور الأساسي الذي تدور عليه الدراسة والبحث .
2. إن من مبادئ الفلسفة الوضعية أيضا إخضاع التخيل او التصوير الفلسفي الذي كانت تقوم عليه المناهج القديمة الى الملاحظة . وهكذا ضُرِبت الفلسفة الثيولوجية والميتافيزيقية في الصميم .
3. يستند منهج البحث الوضعي الى إعطاء العلاقات التي تربط بين الظواهر الاجتماعية أهمية كبرى انطلاقا من أن الفلسفة الوضعية تعتبر نفسها مفسرة للكون ومظاهره وتسعى الى الكشف عن طبائع الأشياء والقوانين التي تحكمها وهذا بخلاف المناهج القديمة التي لم تعطينا فكرة واضحة عن تحديدها للعلاقات بين مختلف الظواهر وعن الارتباط الحقيقي بينها .
4. إذا كانت المناهج القديمة تنزع في تفسيرها للظواهرالى المعاني المطلقة والمبادئ الكلية والعلل الأولى مما يجعلها منتجة لمفاهيم جامدة غير قابلة للتطور فان الوضعية كفلسفة تهتم بتحديد دائرة المعاني المطلقة وجعلها معاني نسبية مرنة قابلة للحركة والتطور بما يستجيب لنمو العقل ومستحدثات العصر ومتطلبات الظروف .
منهج البحث
ثمة نوعين من البحوث التي تؤدى الى كشف الحقائق في ميدان الظواهر الاجتماعية ، ويستعمل أحد هذه الانواع ما يسميه كونت بالوسائل المباشرة والآخر بالوسائل غير المباشرة .
• الوسائل المباشرة :
وهي الخطوات المنهجية التي نستخدمها لكشف القوانين التي تخضع لها الظواهر الاجتماعية في نشأتها وتطورها ووظائفها ومجموع هذه الخطوات تكوِّن قواعد منهج البحث الاجتماعي .
• الوسائل غير المباشرة :
تنتج هذه الوسائل التي لا تقل أهمية عن المباشرة من رحم العلاقات الضرورية التي تربط علم الاجتماع بما عداه من العلوم الوضعية الأخرى التي تمده بصفة دائمة بنتائج وحقائق وقضايا لها أهميتها في ميدان البحث الاجتماعي .
الوسائل المباشرة :
1. الملاحظة
ليست هي الإدراك المباشر للظاهرة او وصف للحوادث . اذ ثمة وسائل أخرى تكون مصاحبة لهذه التقنية بحيث تطور وتعمق من فهمنا للظاهرة الملاحظَة :
مثلا :
• دراسة العادات والتقاليد والآثار ومظاهر التراث الأخرى .
• تحليل ومقارنة اللغات.
• الوقوف على الوثائق والسجلات التاريخية .
• دراسة التشريعات والنظم السياسية والاقتصادية .
• الاهتمام بكل مصادر المعرفة التي تساعد على الكشف العلمي.
السؤال : هل الملاحظة وسيلة أم أسلوب علمي ؟
 لان الظواهر الاجتماعية هي ظواهر عادية ومنتشرة ومتداخلة في صميم الحياة الفردية بحيث يكون الباحث نفسه مشاركا فيها إن قليلا او كثيرا ...
 ولان الظواهر الاجتماعية معقدة او كثيرة التغير ودائمة التفاعل بحيث أن الباحث قد لا تتوفر له الفرصة للإحاطة واليقظة بالظاهرة والإشراف عليها وملاحقتها ...
 ولان الباحث قد يخطئ في تأويل او إدراك ما يلاحظه في الظاهرة مما ينعكس على الاستنتاجات وبالتالي اختلاف عقول الباحثين في ملاحظة الظاهرة إياها ...
فإن كونت يرى انه لا باس من اعتبار الملاحظة عاملا مساعدا للكشف العلمي عن قوانين الظواهر ولكن بدون الإسراف البالغ في الاعتماد عليها وتحويلها من وسيلة الى أسلوب .
2. التجربة :
يميز كونت في هذا السياق بين " التجربة الاجتماعية " التي تطبق على ظواهر المجتمع وبين " التجربة العلمية " التي تُجرى على الظواهر الطبيعية كالكيمياء والبيولوجيا . وما يهمنا ويهم كونت هو التجربة الاجتماعية .
جوهر التجربة الاجتماعية ؟ وصحتها ؟
في البحوث العلمية حيث تجرى التجارب على الظواهر الطبيعية ؛ وبهدف استخراج القوانين يلجأ الباحث عادة الى إجراء تجارب مقارنة بين ظاهرتين متشابهتين في كل شيء ولكنهما مختلفتين في حالة واحدة وهذا الاختلاف بين الظاهرتين يرجع الى هذه الحالة فقط . ومهمة الباحث هي معرفة هذا العامل ( القانون ) الذي تسبب باختلاف الظاهرتين ثم دراسة مدى تأثير العامل الطارئ هذا على ظاهرة أخرى .
السؤال هو: هل لدينا وسائل تمكننا من إجراء تجارب من هذا القبيل في علم مثل علم الاجتماع ؟ بمعنى : هل يمكن استعمال التجربة كوسيلة في معاينة الظواهر الاجتماعية ؟
الجواب :
يعتقد كونت إن المجتمع مثل جسم الإنسان لا بد وأنه يتعرض الى حالات مرضية سابقة من حين إلى آخر بفعل عوامل طارئة وتيارات ظرفية كالثورات والفتن والانقلابات ، وهي حالات تحدث بلا شك طبقا للقوانين الستاتيكية والديناميكية . ولا ريب أن دراسة الحالات الباثالوجية هذه في المجتمع ستؤدي الى تكون رصيد معرفي يساعد في إعادة المجتمع الى سيره المعتاد.
سؤال آخر : الى أي حد تصلح التجربة كوسيلة فعالة في دراسة الظواهر الاجتماعية ؟
جواب :
إذا تمكن الباحث من الوقوف من قبل على القوانين التي تخضع لها الظواهر في حالتها العادية حتى يمكن الكشف عن العامل الطارئ الذي سبب الحالة المرضية . ومع ذلك ليست التجربة وسيلة مجدية ولا مواتية في كل الظروف والمناسبات وبالتالي فهي غير فعالة .
3. المنهج المقارن :
§ مفهوم المقارنة
المقارنة الاجتماعية هي وسيلة منهجية تتأسس على تحديد اوجه الشبه واوجه الاختلاف بين الظاهرتين ، ويبين كونت ثلاثة أشكال للمقارنة الاجتماعية كما سنوضح .
§ أشكال المنهج المقارن :
أولا : مقارنة في مستوى الماكرو وسوسيولوجي " مقارنات واسعة "
مقارنة المجتمعات الإنسانية ببعضها .
مقارنة ظاهرتين في مجتمعين إحدهما تطورت بسرعة وأخرى بطيئة التطور .
ملاحظة وجود مجموعة من النظم في مجتمع بينما لاتؤدي الظاهرة نفس الوظيفة في مجتمع آخر أو ليست بالدرجة نفسها.
ثانيا : مقارنة في مستوى الميكرو وسوسيولوجي " مقارنات أضيق نطاقا "
مثلا كأن تقع مقارنة في مجتمع واحد بين الطبقات او الهيئات والمؤسسات او في مستوى المعيشة ، والأخلاق ، الأذواق العامة ، اختلاف اللهجات ...الخ ، درجة التحضر والتريف .
ثالثا : مقارنات اكثر شمولا وعمومية وأوسع نطاق
مثلا مقارنة جميع المجتمعات الإنسانية في عصر ما بالمجتمعات الإنسانية نفسها في عصر آخر للوقوف على مدى التقدم الذي تخطوه الإنسانية في كل طور من أطوارها ومعرفة درجة التطور ما بين الشعوب الإنسانية.
4. المنهج التاريخي " المنهج السامي "
§ هو آخر حجر في بناء المنهج الوضعي و يقصد به كونت :
" المنهج الذي يكشف عن القوانين الأساسية التي تحكم التطور الاجتماعي للجنس البشري باعتبار أن هذا الجنس وحدة واحدة تنتقل من مرحلة الي أخرى أرقى منها " .
§ وهو المنهج الذي أقام كونت على أساسه " قانون الأدوار الثلاثة ".
§ وهو منهج يعبر عن فلسفة كونت نفسها أكثر مما يعبر عن حقائق علمية ، لان كونت نفسه يقدم وسائل منهجية لدراسة الظواهر الاجتماعية والإنسانية تنسف ما يدعيه لا سيما أن الظواهر تتطور او تبطئ او تؤدي وظائف مختلفة في مجتمعات مختلفة ، كما انه يقر بالتباين والاختلاف لنفس الظواهر وما بين المجتمعات .
§ فلماذا ينظر الى الإنسانية كوحدة واحدة في التطور والتقدم ؟ وكيف يفسر كونت الآن وجود دول متقدمة وأخرى متخلفة وأخيرة بدائية إذا كان خط التقدم والتطور واحدا ؟

المدارس الاجتماعية ما بعد الوضعية

بعد شيوع الوضعية وتأسيس علم الاجتماع ظهرت العديد من المدارس الاجتماعية التي نشطت في جمع المعلومات عن الظواهر الإنسانية والاجتماعية أو حاولت تفسيرها وتحليلها ، ومن هذه المدارس نعرض لبعض منها :
§ المدرسة الاجتماعية البايولوجية :
لا تعترف هذه المدرسة باستقلالية الظاهرة الاجتماعية بل تعتبرها مظهرا من مظاهر الحياة اليومية. كما ترى أن الظاهرة الاجتماعية في نشأتها وتطورها تسير وفق القوانين التي تسير عليها الظواهر البيولوجية .
§ المدرسة الفرنسية في علم الاجتماع :
يتزعمها إميل دوركايم واتباعه مثل مارسيل موس و ليفي بروهل و دي سوسير وبولجيه وهاليفاكس وكوهين وغيرهم . وقد التزمت هذه المدرسة بحدود الوضعية الكونتية بل أنها أرست الوضعية الصحيحة. واعترفت باستقلال علم الاجتماع و الظواهر الاجتماعية وقدمت دراسات ميدانية ممتازة . وتميزت أبحاثها بالدقة العلمية وبذلت جهدا نظريا ضخما في إقامة دعائم علم الاجتماع وتحديد مناهجه وميادينه.
§ المدرسة المادية التاريخية ( كارل ماركس )
تذهب هذه المدرسة الى اعتبار أن كل ما يحدث في المجتمع وما ينشأ فيه من ظواهر ونظم انما يرجع الى الطبيعة الاقتصادية . فالظروف الاقتصادية هي العامل الوحيد الذي يشكل نظم الاجتماع والسياسة والأخلاق والدين وبالتالي فالمادة الاقتصادية هي قطب الرحى في التطور السياسي والأخلاقي والاجتماعي .
§ المدرسة الجغرافية ( برون و ميشليه )
تعتبر هذه المدرسة ان ظواهر المجتمع هي وليدة البيئة وظروفها العمرانية والطبيعية . لهذا فقد فسرت كل ما يحدث في المجتمع بالرجوع الى الظواهر الجغرافية وقامت بهذا الصدد بتطبيقات تعسفية .
§ المدرسة النفسية ( جابرييل تارد وغوستاف لوبون )
وهي المدرسة التي خسرت خصومتها التاريخية مع إميل دوركايم واتباعه . لماذا ؟ لأنها لا تعترف باستقلال علم الاجتماع بل تلحقه بعلم النفس وبالتالي فهي تفسر الظواهر الاجتماعية بمبادئ وأصول سيكولوجية . هذه المدسة تعتبر الظواهر الاجتماعية وليدة الارادة الفردية في التقليد والمحاكاة .
§ المدرسة الاثنولوجية ( تين : Tain ، ميشليه : Michelet ، ممن : Momen )
تفسر الظواهر الاجتماعية بالرجوع الى فكرة الجنس
§ مدرسة الانثربولوجيا الاجتماعية = دراسة المجتمعات البدائية :
مدرسة واسعة تزعمها الكثير من العلماء امثال فريزر وستمارك Frezer Westrmarek و Maclenanو lang وTaylor و Rivers و B. smith و Gillen. وقد اهتمت هذه المدرسة بدراسة المجتمعات البدائية وأشكالها التي ما تزال قائمة سواء في أمريكا او استراليا او أفريقيا واسيا فتعرف روادها على النظم الاجتماعية الأولى ، واتسم الرواد بأنهم جمّاعين مهرة للمعلومات غير انهم اقل قدرة على التحليل ، هذا النقص الذي بدأته المدرسة الأنثروبولوجية تداركته مدرسة دوركايم .

sandibelch
عضو متطور
عضو متطور

انثى
عدد الرسائل : 21
العمر : 31
الموقع : ورقلة
العمل/الترفيه : طالبة
الولاية/البلد : ورقلة
تاريخ التسجيل : 10/12/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الموجز في النظريات الاجتماعية التقليدية والمعاصرة *

مُساهمة من طرف sandibelch في الأربعاء يناير 06, 2010 1:49 am

المدرسة الاجتماعية البيولوجية
هر برت سبنسر / H. spensser
( 1820 - 1903)

أولا : حياته العلمية
§ بدأ حياته مدرسا ثم مهندسا . ولكنه ترك وظيفته واشتغل بالسياسة والأدب والاجتماع واعتنق مذهب التطور " في النشوء والارتقاء " ووصل الى حقائق دقيقة قبل أن ينشر داروين بحوثه. ولما نشر سنة 1850 كتابه " الستاتيك الاجتماعية " اخذ نجمه يسطع فكتب بعد ذلك في علم الحياة ، وعلم النفس ، وعلم الاجتماع ، والتربية ، والسياسة .
§ حاول تطبيق فكرة " النشوء العضوي والتطور " على الكائنات الحية في ميدان علم الأحياء وعلى الإنسان في ميدان علم النفس والأخلاق وعلى المجتمع في ميدان علم الاجتماع والسياسة .

ثانيا : المبادئ العامة لفلسفته
‌أ. يتحدث سبنسر عن نفسه قائلا :
[ " أن جرثومة فلسفتي ظهرت عندما توصلت الى حقيقة بيولوجية أساسها :
إن الأنواع الدنيا من الحيوان تتألف أجسامها من أجزاء متماثلة لا يتوقف بعضها على بعض واما الانواع العليا من الحيوان فتتألف أجسامها من أعضاء متباينة تعتمد في أعمالها ووظائفها على بعضها البعض . وهذه نتيجة استقرائية وصلت إليها من بحوثي وتجاربي في ميدان الدراسات البيولوجية . وهذه الحقيقة تصدق كذلك على جماعات الأفراد .فكأن المجتمع شأنه شأن أي كائن حي يبدأ متجانسا ثم يميل الى التفرد والانتقال من المتجانس الى اللا متجانس " ].
تشتمل مقولة سبنسر عن نفسه المبادئ العامة لفلسفته ، وهذه المبادئ تقوم على التكامل / التجانس والتباين / اللاتجانس والعلاقة بينهما . كيف ؟
انطلاقا من مبدأ " النشوء والارتقاء " يمكن القول :
أن الارتقاء في جميع مسالك الطبيعة من نبات وحيوان واجتماع إنساني وما يتصل بهذا الاجتماع من شؤون تتعلق بالأخلاق ، السياسة ، الفنون والعادات إنما يقوم على أساس واحد هو " الانتقال من التماثل والتشابه الى التباين وعدم التجانس " . كيف؟

حقائق بيولوجية :

نماذج الأنواع
أ. نماذج التماثل والتشابه او التجانس :
إن الانواع الدنيا من النبات يكون التشابه فيها اكثر وضوحا من الاختلاف في حين أن الانواع العليا من النبات يكون الاختلاف فيها بارزا . كما أن الانواع الدنيا في الحيوان تكون هي الأخرى متماثلة كالأميبيا والإسفنج .
ب. نماذج الاختلاف والتباين او اللاتجانس :
في النباتات الراقية يمكن ملاحظة الاختلاف في ميدان التذكير والتأنيث . وفي الحيوان يعتبر الإنسان هو الأرقى ولاشك أن الاختلاف اشد وضوحا .
مميزات الأنواع
في الأنواع الدنيا من النبات والحيوان فان الجزء يؤدي حصرا وظيفة الكل فإذا قطعنا جزء من جسم الإسفنج فالحياة مستمرة لان باستطاعة الجزء أن يعيش ويقاوم حتى يصل الى حالة التماثل الأولى وكذلك الأمر في بعض النباتات . هذا يعني أن التطور لن يصل في احسن الأحوال إلا الى حالة التجانس أما اللاتجانس فلا . هذا يعني أيضا أن الجزء مستقل عن الكل حيث قوى النمو والتوالد كامنة فيه .
أما في الانواع العليا من النبات والحيوان فان الجزء لا يؤدي وظيفة الكل كما أن الجزء مستقل عن الكل نسبيا غير أن التباين والاستقلالية لا تعني الانفصال بل التكامل كما أن العضو مثلا في الإنسان لا تكمن فيه قوى النمو والتوالد لذا فهو يؤدي وظيفة معينة الى جانب وظائف الأعضاء الأخرى بحيث أن عملية التكامل الوظيفي تؤدي الى وحدة القصد والهدف .
القانون العام :
من هذه الحقائق البيولوجية يستخلص سبنسر القانون التالي :
" أن في الحياة ميلا الى التفرد والتخصص والانتقال من المتجانس الى اللامتجانس ومن المتشابه الى المتباين . فالجماد او الجسم غير الحي كذرات التراب ، النار والهواء يكون متماثلا وغير متخصص في حين أن الجسم الحي يتمتع بذاتية وينفرد بشخصيته ويؤدي وظيفة خاصة ومحدودة يتعين عليه أن يؤديها وكلما زاد الكائن الحي ارتقاءا زاد تفرده وتخصصه ظهورا " .
وهكذا يقرر سبنسر أن التخصص هو غاية كل تطور وارتقاء في الموجودات.
دعائم القانون :
حسب تحليل سبنسر فالقانون يقوم على دعامتين :
أولا : كلما ازداد المركب الحيوي تعقيدا ازداد تخصصا وتفردا .
ثانيا :كلما ازدادت الأعضاء تفردا واختصاصا ازدادت استقلالا

من الحقائق البيولوجية الى الحقائق الاجتماعية
"من ميدان البيولوجيا الى ميدان الحياة الاجتماعية "
نشط سبنسر في تطبيق ما توصل إليه في الميدان البيولوجي على الميدان الاجتماعي :
1. الأفراد وحياة الفطرة
اتسمت حياة الجماعات البشرية الأولى بالتشابه والتماثل في انتسابهم الى مجتمع تتشابه فيه طرق المعيشة والحاجات والغايات ووسائل العيش والاقتصاد والنمو والدفاع والأمن والزواج والدين والمعتقدات والأساطير...الخ
وفي مرحلة ما حدث تطور في الحياة الاجتماعية والانتقال من سذاجة الفطرة الى مرحلة اكثر ارتقاء لوحظ فيه ظهور الفوارق بين الأفراد وتقاسم وظيفي لشؤون الأسرة والعمل وما الى ذلك من شؤون الحياة الاجتماعية .
وفي مرحلة اكثر تطورا ورقيا لوحظ ازدياد في التخصص والاستقلالية الفردية .
2. انقسام المجتمعات :
§ كلما ازداد التخصص والتفرد كلما انقسمت المجتمعات الى طبقات اكثر .
§ شيوع ظاهرة التخصص والتفرد في أدق مظاهرها .

تعقيب / تساؤل : هل التخصص والتفرد يشكلان مصدر قوة أم ضعف للمجتمع ؟ تماسك أم تفكك ؟
إن الإسراف في التخصص لا يعني استقلال كل كائن عن الآخر او كل طائفة اجتماعية عن بقية الطوائف الأخرى في المجتمع وعلى العكس من ذلك فالتخصص ينطوي على التضامن والتعاون ويتجه نحو التآلف ؛ فالعدالة تستوجب ضمانات لتحقيقها كالقضاة والمحامون ووكلاء الدفاع والكتاب والمحضرون بحيث ينصرف كل الى عمله ليتحقق القصد والهدف العام كما أن التآلف ينسحب على الدور التكاملي الذي يؤديه كل من التاجر والصانع والطبيب والمدرس وعامل النظافة والمزارع والجندي والشرطي بحيث ينصهر الجميع في بوتقة واحدة تنزع نحو وحدة القصد والهدف رغم التفرد والاختصاص .
ملخص نظرية سبنسر
تتلخص النظرية التطورية عند سبنسر في :
§ الانتقال من التشابه الى التباين او من التعميم الى التخصص او من الاستقلال الانعزالي ( فوضى الشيوع ) الى النظام والتدرج .
§ هذه المعاني لا تتغير ، فهو شرحها في كتابه " المبادئ الأولى " وفي كتبه الأخرى " مبادئ علم النفس وعلم الحياة وعلم الاجتماع ".

ثالثا : نظريته في طبيعة المجتمع
‌أ. المحددات النظرية :
إن نظرية سبنسر في المجتمع تنبع أصلا من فلسفته في التطور الاجتماعي هذه الفلسفة ستؤدي حتما الى مماثلة بين المجتمع والكائن الحي ولكن بشرط . أي أن المجتمع فقط يشبه الكائن الحي ولكنه يتطابق معه . كيف ؟ عبر ثلاث ماهيات .
1. ماهية المجتمع :
حسب داروين و هيغل بصفة خاصة يتفق سبنسر على اعتبار المجتمع جزء من النظام الطبيعي للكون وبالتالي فهو يرفض الفكرة التي تعتبره شيئا خارجا عن هذا النظام .
2. ماهية علم الاجتماع :
إن اعتبار المجتمع جزء من النظام الطبيعي للكون يستوجب ، حسب سبنسر ، النظر إليه كفرع من منظومة التفسير الطبيعي التي تطبق على سائر مظاهر الكون وليس على المجتمع فقط . وعلى هذا الأساس فإن علم الاجتماع هو محاولة لمعرفة نشأة المجتمع وتركيبه وعناصره وهيئاته ومراحل نموه وتطوره وما الى ذلك من المظاهر التي تخلفها العوامل الطبيعية والنفسية والحيوية بوصفها عوامل تعمل متضافرة في عملية تطورية موحدة .
3. ماهية التطور الاجتماعي :
هكذا فان التطور الاجتماعي ليس إلا عملية تطورية عضوية ليس بالمعنى البيولوجي النصوصي بل بالمعنى الاصطلاحي الذي يخلص سبنسر الى تسميته بالتطور فوق العضوي .
‌ب. التطور فوق العضوي : ما هو ؟ = التطور العضوي ؟
إن التحدث عن تطور عضوي ( بمعنى بيولوجي ) وتطور فوق عضوي ( بمعنى اصطلاحي ) يعني أن سبنسر بصدد الحديث عن مقارنة الكائن الحي من جهة والمجتمع من جهة أخرى . وبما أن المنهج المقارن يستوجب ضبط التشابهات ( التماثلاث ) والاختلافات ( التمايزات ) فمن الواضح أن سبنسر عندما يتحدث عن عناصر تشابه بين المجتمع والكائن الحي إنما يتحدث أيضا عن فروقات لذا نراه دقيقا في اختياره للمصطلحات والمفاهيم بالقدر الذي يسمح له ببناء نظرية تجد لها موقعا ملائما بين النظريات الاجتماعية التي أعقبت ظهور علم الاجتماع على يد اوجست كونت .
السؤال : ماهي طبيعة الفرو قات بين التطور العضوي والتطور فوق العضوي ؟
جواب :
لدى مقارنته للمصطلحين في نطاق المجتمعات الحيوانية يرى سبنسر أن التطور فوق العضوي وإن كان موجودا في مجتمعات النمل والنحل مثلا بوصفها مجتمعات راقية إلا انه يبقى اقل وضوحا . إذن المسألة تتعلق بمدى تعقد المجتمعات المدروسة ، أي بمدى تخصصها ، وفي هذا السياق يعقد سبنسر مقارنة بين المجتمعات الحيوانية والمجتمعات البشرية ، فماذا يلاحظ؟
يلاحظ أن المجتمعات الحيوانية ليست معقدة كالتعقيد الذي يمكن ملاحظته في المجتمعات البشرية . لماذا ؟ وأين يكمن التعقيد؟ مبدئيا فإن الاجتماع الحيواني يشتمل على ضرب من السلوك والأثر ما هو أشد تعقيدا مما لدى الاجتماع الإنساني ، غير أن الاجتماع الإنساني ينطوي على تفاعل في مستوى العلاقات الإنسانية وتشابك المصالح والرغبات بين الأفراد مما ينجم عنه ضروبا من السلوك والآثار أشد تعقيدا وأشد تنوُّعا الى الحد الذي يجعله أرقى صورة للتطور العضوي.
‌ج. محتوى المماثلة البيولوجية
المجتمع كائن حي ؟
في ضوء ما سبق ، وحسب سبنسر ، فإن :
§ المجتمع عبارة عن كائن عضوي أو مركب عضوي يشبه الجسم الحي .
§ عناصر المجتمع وهيئآته تشبه نظائرها في الكائن الحي . كيف؟
1. من حيث التشابهات :
فالمجتمع كالفرد مزود بجهاز للتغذية يتمثل في هيئاته وطبقاته المنتجة ، ومزود بدورة دموية تتمثل في نظم التوزيع وطرق المواصلات ، ومزود بجهاز هضمي وإخراجي يتمثل في نظام الاستهلاك ، ومزود بجهاز عصبي يتمثل في الحهاز التنظيمي والادارة والحكومية التي تتولى قيادة المجتمع والاشراف على مصالحه.
2. من حيث الفروقات :
 ان عناصر الكائن الحي تكون كلا متماسكا ومتحددا بصفة مباشرة .هذه الكلية تتمظهر في اتحاد مادي محسوس لجميع العناصر .
 ولكن في المجتمع فان العناصر / العوامل إنما تؤدي الى الوحدة / الكلية لانها عناصر خارجية وليست عضوية كما هو التركيب العضوي للفرد . وهذه العوامل تتجلى باللغة والعواطف والانفعالات والافكار والمعتقدات والتقاليد والعرف ...الخ
 ان الجهاز العصبي ـ مثلا ـ في عقل الكائن يشغل جزء صغيرا من التركيب البيولوجي \العضوي للفرد ، بينما في المجتمع نجده ممثلا بالجهاز التنظيمي والادارة والقيادة . أي أنه موزع بين الافراد ولكل انسان الحق في المساهمه فيه في اطار توجيه المجتمع .
 المجتمع يشبه الفرد من حيث النشأة والتكوين ، حيث ينشأ بصورة بسيطة ضيقة النطاق ثم يأخذ حجمه بالنمو وعدد افراده بالتكاثر . اذن المجتمع يشبه الكائن الحي في حالة النشأة أي في الحالة التي يتبعها تميز في الهيئات والاعضاء والتركيب المعقد [ انتقال من التجانس اللامحدود الي التباين المحدود ] ولكن نمو المجتمع لا يكون عن طريق التزايد البسيط الضيق بل من خلال اندماج هيئاته واتحاد بعض المجتمعات الصغيرة وتفاعل اتجاهاتها والتيارات التي تسودها ، هنا تبدأ حالة التعقيد في بنية المجتمع وتركيبه .
المجتمع بين الاستقرار والانحلال
يقضي قانون النشوء والارتقاء بخضوع الكائنات الحية لوجهي القانون . فاذا كان الكائن الحي ينشأ وينمو فهو ايضا ينحل . وهكذا المجتمع حين يشبهه سبنسر بالكائن الحي فهو حتما خاضع للوجه الاخر للقانون وهو الضعف والانحلال .
1. استقرار المجتمع :
ان نشوء المجتمع مرحلة تتواصل مع مرحلة النمو ، وما بين اكتمال نمو المجتمع وتعقيده من جهة وانحلاله من جهة اخرى ثمة مرحلة استقرار يبلغ فيها المجتمع من القوة ما يزيد من اندماج عناصره وهيئآته وتماسكها . في هذه المرحلة يكون المجتمع في أوج استقراره . فما الذي يحدث عند استقرار المجتمع ؟
ما ان تستمر الحياة لاجتماعية الى حد ما حتى تاخذ الظواهر والنظم الاجتماعية في الارتقاء والتطور ، وهذه العملية تعني الانتقال من حالة التجانس الى حالة التباين والتخصص . وخلال انتقالها من حالة الى حالة فإن الظواهر والنظم الاجتماعية ستتاثر بنوعين من العوامل :
§ العوامل الداخلية :
تتعلق هذه العوامل بالناحية الفردية . أي كل الخواص الفردية ذات الصلة بالتكوين الطبيعي والتكوين العاطفي العقلي للافراد الذين يكوِّنون المجتمع . فالظواهر التي تقوم في المجتمع تنشأ في واقع الامر متاثرة بالخواص الفردية هذه . بمعنى ان الافراد يشكلون ظواهر المجتمع وفق الخواص المشار اليها.
§ العوامل الخارجية :
هي كل العوامل التي تقع خارج نطاق الخواص الفردية ولكنها تؤثر على الافراد تأثيرا مباشرا وعلى الظواهر الاجتماعية بوصفها نتاج لأوجه نشاط الافراد .هذه العوامل هي البيئة : كالبيئة الجغرافية والطبيعية وظروف المجتمع المناخية وموقعه وما الى ذلك من المؤثرات البيئية .
2. انحلال المجتمع :
ان ارتقاء وتطور المجتمع عملية تنسحب على شتى مناحي الحياة الاجتماعية من نمو في الوحدة السياسية ( الاسرة ، قبيلة ، مدينة ، دولة ، هيئة ، أمم...الخ ) والوحدة الاقتصادية (صناعة منزلية ، مهن ، ثورة صناعية آلية ثم ثورة صناعية كهربائية ، وكذلك نظم الشركات المساهمة والاحتكار والاستعمار...الخ ) ونمو في الوحدة السكانية (عائلة ثم قرية ثم مدينة ...الخ )...الخ
ان التطور كان وما يزال مصحوبا بظاهرة ملازمة هي ظاهرة " تنافر القوى وتنوع الوظائف وتفرع الاختصاصات " . فالعامل الاجتماعي ازداد تنوعا فيما ازدادت المهن والصناعات تخصصا وخضعت مظاهر الانتاج الاخرى لهذه المبادئ . لا بل نجد تنوعا بين خصائص الريف والمدن وبين دولة وأخرى او بين وحدة اقليمية واخرى ، وفي كل ناحية من نواحي الحياة الاجتماعية نجد تطبيقات صحيحة لهذه المبادئ في السياسة والدين والاخلاق والعلم والفن والاقتصاد.
وفي المقابل نجد انحلال يعقب التطور . إذ ثمة مجتمعات تضعف بعد قوة ومدنا تتقوض وتنحل وتفقد مكانتها ، ودولا يحل بها الظلم والهوان والفقر والتخلف بعد مجد وسلطان وأخرى تقوم من جديد وتأخذ بأسباب النشوء والارتقاء في عملية خلق متجددة في الحياة الانسانية .
تعقيــب
ولكننا نلاحظ دولا وشعوبا وقبائل تأبى الانعتاق من تخلفها وبدائيتها مقابل دول وشعوبا تصر على ديمومة الارتقاء وعدم الانتكاس .

رابعا : نظريات سبنسر في شؤون المجتمع

كثيرة هي النظريات التي يعرض لها سبنسر في فلسفته الاجتماعية ، منها ما يتعلق بالشؤون السياسية والاقتصادية وبعضها يتعلق بالشؤون الاخلاقية والدينية .
نظريته في تصنيف المجتمعات
يقسم سبنسر المجتمعات باعتبارين :
1. من ناحية التكوين المورفولوجي : مجتمعات بسيطة أومركبة
في هذا النوع تكون الوحدات الاجتماعية أو التجمعات البشرية متجانسة بما يشبه الفوضى البدائية شأنها في ذلك شأن الانواع الدنيا من الحيوان ثم تاخذ في النمو كما ينمو جسم الانسان فترتقي وتتجه بالتدريج نحو التعقيد في التركيب والتنوع في الوظائف والظواهر والنظم ومن ثم الاستقرار . ومن الضروري أن يحدث اتحاد بين هذه التجمعات إما عن إرادة وقصد وإما عن طريق القهر والتغلب لكي يحصل الانتقال من حالة التجمعات البسيطة الساذجة الى حالة التعقيد والتركيب .
2. من ناحية الوظيفة : مجتمعات حربية أو صناعية
يرى سبنسر أن بعض المجتمعات من يعيش سكانها رغبة في القتال كالتي سادت نظم الحياة الاقطاعية في أوروبا سابقا وهو حال المجتمعات الحربية . وهناك من المجتمعات من يقتصر عيشها على مكافحة المتاعب في الحياة والصراع في معركتها . مثل هذه المجتمعات ليس لها غاية الا العمل للتغلب على مصاعب الحياة وهو حال المجتمعات الصناعية .


النظرية الوظيفيــــــة


اولا : جذور النظرية

لما نتعرض للوظيفية بالدرس والتحليل والفهم علينا اولا ان نأخذ بعين الاعتبار ان للنظرية الوظيفية :
1. جذورا ابستيمية ومعرفية تسبق تحول الوظيفية الى نظرية ، ولما نبحث عن الجذور فاننا في الواقع نقوم بمقاربة للوظيفية كمفهوم قبل ان نقف عليها كنظرية هذه الجذور المعرفية نجدها لدى علماء الاجتماع الاوائل امثال سان سيمون و اوجست كونت و اميل دور كايم و مارسيل موس وحتى كارل ماركس و ماكس فيبر. وهي في وضعها هذا لا تعدو ان تكون مجرد مقاربة ولكنها قابلة للارتقاء الى مستوى النظرية .
2. ان النظرية الوظيفية هي نظرية جزئية وليست نظرية كلية في علم الاجتماع وهذا هو حالها فيما لو قارناها بالنظرية الماركسية التي تقدم نظرة شاملة للمجتمع .
3. بدء من العقود الاولى للقرن العشرين اخذت الوظيفية بالهيمنه على ساحة علم الاجتماع خاصة بعد ان نشطت المدرسة الانجلو سكسونية التي ضمت كلا من روبرت ميرتون و راد كليف براون و تالكوت بارسونز و مالينوفسكي في انجاز ابحاث استندت الى النظرية الوظيفية او ما عرف بالبنائية الوظيفية .
هكذا علينا أن نقر انه من العبث فهم هذه المقاربة الجديدة قبل ان نرجعها الى جذورها المعرفية الاولى ، أي الى المقاربة الوضعية التي انبثقت منها . كيف؟
لقد اوجد اوجست كونت قطيعة بين ما يسميه هو بقرون الميتافيزيقيا والقرن التاسع عشر او ما يسميه بالقرن الوضعي العلمي . هذه القطيعة ترتب عليها بروز تصورات جديدة تتعلق بالنظام السياسي والنظام الاجتماعي والنظام المعرفي . كما ان كونت بشر بوراثة العلماء والفلاسفة والصناعيين لرجال العهد الميتافيزيقي البائد ، أي انه بشر بنظام اجتماعي وسياسي سيرتكز على العلم والفلسفة والصناعة . وهكذا ، فكلما تغيرت المعرفة بالاتجاه العلمي والوضعي كلما امكن التوصل الى اقامة نظام سيلسي وضعي .
السؤال : ما هي قيمة التصور الوضعي للاجتماع والسياسة والمعرفة ؟
قيمة التصور الوضعي تنعكس على علاقة المعرفة بواقعها .أي ان المعرفة لم تعد نظرية مجردة بالقدر الذي ستصبح فيه تطبيقية . في هذا الاطار من التصور الوضعي سيكون دور المقاربة الوظيفية هو التعامل الواقعي مع الظواهر الاجتماعية . فهل حصل مثل هذا التعامل ؟
في واقع الامر نعم . فقد بدأ هذا التعامل الواقعي مع الظواهر مع سان سيمون لما اعترف – مثلا - بمفهوم المواطنة وأعلى من شأنه على حساب مفهوم الكونت ، ثم لما اعتبر الدين ظاهرة اجتماعية وجردها من كل مقدس . ولكن مع اوجست كونت كان التعامل الواقعي مع الظواهر ابلغ اثرا حيث جعل من ظاهرة الدولة ظاهرة نمطية فقسمها الى ثلاثة اقسام / انماط تعبر عن ثلاث مراحل هي :
§ الدولة الثيولوجية تعبير عن المرحلة اللاهوتية .
§ الدولة الميتافيزيقية تعبير عن المرحلة الفلسفية \الميتافيزيقية – الطبيعية.
§ الدولة العلمية تعبير عن المرحلة الاخيرة / الصناعية او الفكر الوضعي العلمي .
بعد هذه التجربة المعرفية في تنميط مراحل التطور البشري الفكري توصل كونت الى تجاوز الفلسفة النظرية المجردة التي اخفقت لانها عجزت عن تحليل واقع الانسان وشرع كونت في بناء شجرة المعرفة متوجا اياها بعلم الاجتماع الذي كان عليه ان يلعب دورا اساسيا في تحليل وافع الانسان . وهكذا ستكون المقاربة الوظيفية ترجمة لكل التصورات التي حصلت داخل المقاربة الوضعية .

ثانيا : المرجعية العلمية للمقاربة الوظيفية
حين نبحث عن المحددات العلمية المرجعية للوظيفية سيكون امامنا اثنتيين من المرجعيات هما :
§ الاولى : هي العلوم الطبيعية
§ الثانية : هي العلوم البيولوجية
ستأخذ الوظيفية هاتين المرجعيتين بعض العناصر الاساسية :
العنصر الاول : هو القوانين
فالطبيعة تقوم على عدد من القوانين التي تتحكم بظواهرها فاذا ما حدثت تطورات جيولوجية معينة فمن الطبيعي ان يصاحبها او يتولد عنها عددا من الظواهر الطبيعية . وثمة قوانين طبيعية تندثر بفعل عوامل طبيعية اخرى لذا نجد اوجست كونت يعرف الظواهر الاجتماعية تماما مثل تعريفه للظواهر الطبيعية ومثال ذلك تعريفه للدين كظاهرة اجتماعية تولد وتنمو وتكبر ثم تشيخ . أي تبدأ مرحلة التآكل والاندثار .
العنصر الثاني هو : الوظيفة الكامنة في التحليلات البيولوجية للمجتمع
اذ نلاحظ ان مفهوم الوظيفة هو مفهوم قديم في علم الاجتماع ، فقد بدأ التفكير فبه مع هربرت سبنسر ثم تواصل مع اوجست كونت وتطور مع اميل دوركايم و مارسيل موس وايضا مع سان سيمون . كل هؤلاء هم ممثلي المدرسة الوظيفية الفرنسية.
لا شك أن هاتين المرجعيتين ( الطبيعية والبايولوجية ) أرستا مبدأين أساسيين انطلقت منهما المقاربة الوظيفية هما :
الاول : ان المجتمع مثل الجسم البشري كلية متكاملة .
الثاني : ان كل عضو من اعضاء هذا الجسم لا يمكن فهمه الا في اطار كلية .
السؤال : ما هي النتيجة التي يمكن ان نستلخصها بداية من هذين المبدأين ؟
الجواب : إن العضو جزء من كل ، والعلاقة الرابطة بينهما هي حصرا علاقة تكاملية .
والنتيجة القابلة للاستخلاص تبين أنه ثمة تكامل بين الوظيفة و الكلية.

ثالثا : المجتمع من منظور وظيفي
في إطار هذا التكامل نستطيع القول أن المجتمع يتحدد من خلال وظيفته أو وظائفه. بمعنى أن الوظيفة تتحدد داخل المجتمع ، لذا نجد أنثروبولوجي بحجم راد كليف براون يشير في كتابه " الوظيفة العامة " إلى هذه الاخيرة بأنها تلك التي تشمل بقية الوظائف الاخرى و لكن هذه بلا ريب نظرة حتمية . وفي هذا السياق ينبغي الاشارة إلى أن مفهوم الوظيفة حين انبثق في القرن 19 اتخذ طابع الحتمية متأثراً بأطروحات المدرسة الاجتماعية البيولوجية التي ترى أنه طالما أن كل جسم بشري يتمتع بعدد من الوظائف الثابتة والحتمية الثابتة فالمجتمع أيضاً يتمتع بعدد من الوظائف الثابتة.
مثل هذا الطرح نجده لدى هربرت سبنسر وخاصة لدى أوجست كونت ، وفيما بعد سنجد هذا المنطق الحتمي الذي يرى أن مبدأ الوظيفة العامة يتحكم في بقية الوظائف الاخرى شائعا عند رواد المدرسة الانجلو سكسونية في علم الاجتماع امثال مالينوفسكي و راد كليف براون و تالكوت بارسونز .
هكذا كان لابد من العودة إلى دوركايم لإخراج المفهوم من إطار الحتمية إلى إطار النسبية ، فالحتمية والاطلاقية ليست ولا يمكن أن تكون من سمات الوضعية التي تنظر الى الظواهر نظرة نسبية . لهذا يشار الى المدرسة الفرنسية لعلم الاجتماع بجهود دوركيم التي نحت بالوضعية التقليدية نحو ما عرف بـ الوظعية الصحيحة.

رابعاً : مفهوم الوظيفة لدى دوركايم
يميل دوركايم إلى جعل مفهوم الوظيفة مفهوما نسبيا خاليا من الحتمية . فاذا لم يكن من الضروري اعتبار كل وظيفة تعبير عن حاجة الجسم فليس من الضروري ايضا أن تكون لكل حاجة وظيفة في الجسم . فما هي أسباب هذه النسبية الوظيفية لدى دوركايم ؟
ثمة ثلاثة اسباب تفسر النسبي عند دوركايم :
1. يريد دوركايم ان يحتكر تأسيس العلم الجديد . لذا لن يكون بإمكانه تبني نفس التعريفات التي نجدها عند كلا من كونت و سيمون و سبنسر . ولايجب ان ننسى ايضا أن دوركايم يعتبر الكونتية ( أ. كونت ) ضربا من ضروب الفلسفة المجردة في حين انه يدعي لنفسه تأسيس العلم الجديد .
2. رغب دوركايم ان يتميز في اطروحاته عن كونت مبينا ان علم الاجتماع لا يقوم على مبدأ الحتمية ولايستند اليها .
3. اراد دوركايم ان يتخلص من هذه المرجعيات غير الاجتماعية وان تكون للظاهرة الاجتماعية مرجعيتها المحضة وليست المرجعية البيولوجية او الطبيعية.
في المقابــــل :
4. بدا المجتمع عند كونت و سبنسر على انه كلية اجتماعية ، وعليه فان الحياة الاجتماعية والحياة العضوية ستكونان خاضعتين لنفس القانون ، قانون التطور .
مثال :
فالمؤسسات مثلا تملك نفس الاهداف والوظائف التي تمثل اعضاء الانسان وهو ما يرفضه دوركايم كون سبنسر يختزل النشاط الانساني في الوظيفة التي تقوم بها كل ظاهرة اجتماعية والتي يتم ارجاعها الى حاجيات الجسم الانساني .
أية استنتاجات ؟
ان الاستنتاجات الرئيسية التي يمكن الخروج بها :
§ أن الوظيفية كانت قبل دوركايم تعرف على انها حالة من التطابق ما بين الجسم وحاجاته ، فكلما عبر الجسم عن حاجة ما الا واستشعر الحاجة الى وظيفة ما.
§ ان المقاربة الوظيفية انطلقت من هذا التطابق الكلي مابين الوظيفة والحاجة . لماذا ؟ لان علوم البيولوجيا كانت تشكل نوعا من مرجعيات علم الاجتماع لدى دوركايم و كونت و سيمون ... الخ.
§ اراد دوركايم ان يقصي العلوم البيولوجية والطبيعية من أي تاثير في علم الاجتماع ، وحرص على استقلاله والحد من تدخل علوم البيولوجيا فيه ، لذا ستتخذ الوظيفية عند دوركايم منحىً آخر غير التطابق وهو المنحى المعرفي .
§ يعتبر دوركايم ان الممارسة السوسيولوجية لا ينبغي ان تعتمد على الحتمية لذا يؤكد على نسبية الوظيفة " فليس الشعور بالحاجة يستوجب الوظيفة " .
§ من جهة اخرى هناك اعتبارين لدى دوركايم يقفان خلف تنسيبه للظاهرة الاجتماعية :
الاعتبار الاول : هو صعوبة اعتماد التحليل الحتمي في علم الاجتماع . فالظاهرة الاجتماعية نسبية بحكم ظروف نسبية انتاجها وظروف التحكم فيها .
الاعتبار الثاني : هو ان الظواهر المعتلة والشاذة هي ايضا لها وظائف ولايمكن القول بانها ظواهر غير طبيعية . وهذا يعني ان علم الاجتماع لا يبحث في علة الظواهر بقدر ما يبحث عن الوظيفة التي يمكن ان تؤديها ( في العلاقات والادوار ) .

خامسا : قضايا الوظيفية وتصوراتها
للوظيفية قضايا كبرى تشكل منطلقات لها في أي تحليل سوسيولوجي .اذ يمكن الحديث عن بعض المفاهيم التي ينبغي التعرف عليها بالنسبة للوظيفية كرؤية سوسيولوجية . فما هي ابرز هذه القضايا او المفاهيم ؟
اولا : تصورها للمجتمع
والسؤال هو: كيف تنظر الوظيفية الى المجتمع ؟ وكيف تتصوره ؟
المجتمع عند الوظيفية هو:
§ نسق من الافعال والبنى المحددة والمنظمة . هذا النسق المجتمعي يتألف من متغيرات مترابطة بنائيا ( بنى ) ومتساندة وظيفيا ( وظائف ) .
§ وذو طبيعة متسامية ومتعالية تتجاوز وتعلو كل مكوناته بما فيها ارادة الانسان .
§ هذا التجاوز او التعالي الذي تتحدد شروطه من خلال الضبط والتنظيم الاجتماعيين اللذين يُلزمان الاشحاص بالانصياع لهذه الطبيعة المتسامية والالتزام بها . اذ ان أي انحراف عنها يهدد اسس بناء المجتمع التي تعد المحافظة عليه وصيانته وتدعيم استمراريته غاية بحد ذاتها .
شروحـات:
ان عبارة التصور الاجتماعي ذو الطبيعة المتعالية هي عبارة ذات جذور دوركايمية توازي مقولة دوركايم الممثلة بـ ( الضمير الجمعي ) ؛ فللمجتمع ضمير يسمو ويتعالى على ضمائر الافراد مجتمعين او منفردين .
وحسب الوظيفية فالمجتمع مجموعة لا متناهية من البنى وكل منها يقوم بوظيفة فاذا تساءلنا مثلا : لماذا بنية المجتمع الاسرية صغيرة ؟ نجيب بأن المجتمع يحتاج الى مثل هذا النوع من الاسر كونها تلبي حاجات ووظائف اجتماعية . ان الضبط الاجتماعي هو أية وسيلة يستعملها المجتمع للتحكم بسلوك الافراد سواء عن طريق اللغة ، الاعراف ، التقاليد …الخ فهذه العملية تمثل رقيب اجتماعي . فالافراد الذين يتكلمون لغة معينة او يختصون بعادات وتقاليد واعراف وتصورات معينة يصبحوا تلقائيا مقبولين في المجتمع ومعبرين عنه وعن احتياجاته ووظائفه وضميره الجمعي .
ان التنظيم الاجتماعي هو نتيجة للضبط الاجتماعي . وهاتان الآليتان ( التنظيم و الضبط ) هما المسؤولتان عن الزام الافراد والجماعات بالانصياع لهما والالتزام بهما . واي انحراف عنهما سيهدد الاسس الاجتماعية . ولا شك أن الوظيفية تمتاز بحساسية كبيرة تجاه عوامل التغير في المجتمع . فالتغير الاجتماعي ليس غاية انما هو تهديد في حين ان الوظيفية تستهدف المحافظة على المجتمع وتحقيق الاندماج الاجتماعي .
ثانيا : مسالة التوازن الاجتماعي
توصف الوظيفية في بعض الاحيان بانها :
§ اتجاهات للتوازن . أي انها ترى التوازن واقعا وهدفا يسعى المجتمع الى أداء وظائفه وبقائه واستمراره .
§ اذا كانت الوظيفية عبارة عن اتجاهات للتوازن فان هذا التوازن يتحقق بعمليات التناسق بين مكونات البناء الاجتماعي والتكامل بين وظائفه الاساسية .
§ هذا التوازن يعمل على تحقيقه شريط مفاهيمي تشترك فيه القيم والمعايير الثقافية والافكار التي يرسمها المجتمع لافراده وجماعاته الذين لايملكون حق الخروج عليها والا وقعوا تحت وطأة جزاءات الضبط الاجتماعي الرسمي وبالتالي تصنيفهم في عداد المنحرفين الخارجين عن مسيرة المجتمع .
سؤال : اذا ما تحدثنا عن بارسونز ، فما هي الآلية التي تحافظ على حالة التوازن في المجتمع ؟
الإجابة : نجدها لدى الكثيرين من الوظيفيين . والمسألة تتصل بالنسق الثقافي الذي يشتمل على القيم والافكار والمعايير والاساطير كما يسميها بيير برديو او بالرموز . لذا يؤكد بارسونز على أهمية التوازن الثقافي لتحقيق التوازن الاجتماعي والا فان اختلال النسق الثقافي سيؤدي الى فقد المجتمع لتوازنه وذلك يعني انهيار المجتمع .

البنيويـــة الوظيفيــــة
اولا : مكانة البنيوية الوظيفية في علم الاجتماع
نالت هذه النظرية النصيب الاوفر من الكتابات التي تصدت لموضوع النظرية الاجتماعية . وحتى اواخر الستينات من القرن العشرين ظلت هي النظرية المهيمنة على ساحات علم الاجتماع بل انها اكثر النظريات انتشارا وهيمنة.
ومع انها شهدت تراجعا ملحوظا عن مكانتها منذ السبعينات من القرن العشرين بسبب ظهور نظريات اخرى كعلم الاجتماع الديناميكي وعلم اجتماع التنظيمات والفردوية المنهجية والبنيوية التكوينية إلا ان هذا التراجع لا يبرر عدم التوقف عندها ومحاولة فهمها لاسيما إزاء المدة الطويلة التي هيمنت فيها على الساحة الاجتماعية .
أيضا وقبل الدخول في ماهية النظرية ينبغي الاعتراف بان البنيوية الوظيفية هي نظرية كبيرة وليست نظرية صغيرة ، فهي تنطلق من المجتمع ولا تعطي أهمية للفرد ، ولكونها نظرية مجتمعية فهي غير مستوحاة من الفرد .
في اواخر ايامها تعرضت النظرية لموجة من النقد . فقد قام عالم الاجتماع الامريكي " الفن غولندر " سنة 1970 بتحليل نقدي لعلم الاجتماع الغربي من خلال نقده للبنيوية الوظيفية ذاتها . وثمة من نعتها بانها الطغيان الامبريالي . اما عالم الاجتماع الامريكي ( ويلبرت مور 1978 ) الذي ارتبط اسمه كثيرا بالنظرية الوظيفية فقد مثَّل شاهد من اهله حين اعترف بان استعمال البنيوية الوظيفية اصبح محرجا في علم الاجتماع المعاصر ( النظري ) .
ثانيا : ما هي البنيوية الوظيفية ؟
احيانا نكتفي باستعمال اللفظ " الوظيفية " للدلالة على النظرية . ولكن من اين اتت التسمية بـ" البنيوية الوظيفية " ؟
لقد أسمى دوركايم المجتمع بالحقائق الاجتماعية . وعندما ننظر الى المجتمع بهذا المحتوى فاننا ننظر الى البنى الاجتماعية بما فيها المؤسسات والبنى الطبقية والنوع الديمغرافي للسكان باعتبار المجتمع مدني . فلو نظرنا الى البنية الاسرية [ اب ، ام ، اخ ،...الخ ] كإحدى بنى المجتمع المدني وتساءلنا : ماهي وظيفة هذه البنية بالنسبة لاستقرار المجتمع ؟ سنلاحظ اننا بصدد مواجهه عبارة " البنيوية الوظيفية " التي تفسر لنا الوظائف التي تؤديها البنى في المجتمع .
إذن البنيوية الوظيفية هي :
[ رؤية سوسيولوجية ترمي الى تحليل ودراسة بنى المجتمع من ناحية والوظائف التي تقوم بها هذه البنى من ناحية اخرى ] .
هذا يعني ان البنى لم توجد بطريقة عشوائية لان لها وظائف سوف تقوم بتحقيقها . وبهذا المعنى فان للبنى الاجتماعية حتمية لامفر منها وهي وجود وظائف لها . هكذا فلكل بنية اجتماعية وظيفة تؤديها ، وبما ان كل شئ محكم فسوف تسير الامور على ما يرام في المجتمع دون انتظار طويل للصراعات والثورات ، فالمجتمع عبارة عن سيمفونية من الوظائف تتسم بالتناسق والتوازن .

ثالثا : أشكال البنيوية الوظيفية
صحيح ان البنيوية الوظيفية تهتم بدراسة البنى ووظائفها بيد انها ليست نظرية سوسيولوجية ذات لون واحد بل يمكن الوقوف على ثلاثة اشكال لها :
1. الوظيفية الفردية
في هذا الشكل من النظرية فقد وقع التركيز على حاجات الفاعلين الاجتماعين والبنى الاجتماعية التي تظهر لتلبية هذه الحاجات .
مثال :
الاسرة النووية التي تتكون عادة من أبوين وبضعة أولاد ظهرت لتلبي بعض الحاجات الفردية كالتمتع بالحرية والعيش بالاستقلالية والعمل والتربية الخاصة في مقابل ذلك لم تعد الاسرة الممتدة المكونة من الابوين والابناء والازواج والزوجات وابناءهم ؛ لم تعد قادرة على تلبية الحاجات الفردية .
2. الوظيفية العلاقاتية
في هذا الشكل يقع التركيز على آليات العلاقات الاجتماعية التي تساعد في التغلب على التوترات التي قد تمر بها العلاقات الاجتماعية . هذا النوع نجده موضوع اهتمام لدى الانثربولوجين امثال راد كلييف براون و مالينوفسكي . فالوظيفية العلاقاتية تعمل ، مثلا ، عبر شعيرة طقسية من الشعائر ، على التخفيف من التوترات في اطار العلاج النفسي .
3. الوظيفية الاجتماعية
هنا يقع التركيز على البنى والمؤسسات الاجتماعية الكبرى وعلى علاقاتها ببعضها البعض وتاثيراتها الموجهة لسلوكات الافراد والمجتمعات كالوظيفية التي تقوم بها مؤسسات كالجامعة او المستشفى او الاذاعة او التلفزيون او الاسرة او المسجد او المدرسة... فالمسألة تتعلق بالمجتمع لا بالافراد .

رابعا : الاصول الانثروبولوجية والبايولوجية للنظرية
ظهر مصطلح الوظيفية في الثلاثينات من القرن العشرين عند علماء الانثربولوجيا على الخصوص أمثال راد كليف براون و برونسلوي مالينوفسكي . وفي الاربعينات درَّس هذان العالمان في جامعة شيكاغو مما أدى الى انتشار مصطلح الانثربولوجيا الوظيفية في الولايات المتحدة الامريكية . وفيما بعد مثلت اعمال كل من تالكوت بارسونز و روبرت ميرتون البنيوية الوظيفية في أعمق ما كتب حول النظرية التي تنظر الى المجتمع باعتباره نظاما نسقيا يتمتع بالكثير من الانسجام بين مكوناته البنيوية . أما النظرية البايولوجية فتعد أحد مرجعيات الوظيفية ، ومنها يمكن القول انه إذا كانت العناصر المكونة للجسم الانساني تكون وحدة بيولوجية متكاملة ، أي سيفونية متكاملة تتسم بالانسجام ، إلا أن الوظيفيين وكما هو الحال في النظرية الاجتماعية البيولوجية في ملاحظاتها لفروق بين الجسم البشري والمجتمع لا يتجاهلون أيضا عنصر الصراعات في المجتمعات لكنهم ينظرون اليها بوصفها توترات بريئة . أي انها عبارة عن تمهيدات الى اقامة نظام اجتماعي افضل . فهي في منظورهم ايجابية وليست هدامة للمجتمع .

خامسا : الاصول السوسيولوجية للنظرية
ان البنيوية الوظيفية كنظرية سوسيولوجية تعتبر المجتمع مجموعة من التنظيمات المتراتبة التي يساهم كل منها في الاستقرار الاجتماعي للمجتمع هذا يعني أن الوظيفية تركز اكثر ما يكون التركيز على التوازن الاجتماعي للمجتمع وليس على التغير الاجتماعي . فالعناصر المكونة للمجتمع تُدْرَس من حيث الوظيفة الخاصة والمحددة التي تقدمها للحفاظ على ترابط النسق الاجتماعي لهذا المجتمع او ذاك . اما النسق الاجتماعي فهو عبارة عن مجموعة من العناصر المترابطة بعضها ببعض ، وأي خلل في أحدها لابد وان يؤثر في باقي العناصر . وبدورهم يقول الوظيفيون ان النسق الاجتماعي يمكن ان يحافظ على الاستقرار طاما ان كل عنصر يقوم بوظيفة .
أخيرا يمكن القول ان كونت و دوركايم و سبنسر كانوا اهم ثلاثة رواداجتماعيين اثروا تاثيرا كبيرا على النظرية البنيوية الوظيفية .
1. اوجست كونت
نظر كونت الى المجتمع باعتباره وحدة تتمتع بالكثير من الاستقرار ، وعلى الرغم من انه عارض الثورات والانقلابات والانتفاضات الا انه لم يبد قلقا على مصير المجتمع بما ان الاستقرار يغلب عليه . بل ان كونت كان مؤمنا بان المجتمع يتصف بالتوازن وليس بالصراعات . لذا رأى في الانساق الاجتماعية وكأنها أنساق عضوية او بيولوجية .
2. الوظيفية عند سبنسر
رأى سبنسر أن المجتمع في انساق يتشابه مع كثير من الانساق البيولوجية بل انه اكثر الرواد الذين شبهوا المجتمع بالانساق البيولوجية ، فالكائنات العضوية والانساق الاجتماعية في المجتمع هي كائنات متشابهه من حيث قدرتها على النمو والتطور . ان ازدياد حجم الانساق الاجتماعية كازدياد الكثافة السكانية – مثلا - سيؤدي الى ازدياد انقسام المجتمع الى انساق اكثر تعقيدا وتمايزا وهذا هو حال الاعضاء البيولوجية او الكائن الحي . وقد لاحظ سبنسر ان التمايز التدريجي للبنى في كل الانساق الاجتماعية والبيولوجية يقترن بتمايز تدريجي في الوظيفة . ولعل أهم ما جاء به سبنسر هو استعماله لمصطلحي " البنية والوظيفة "هاتين الكلمتين بلورهما سبنسر اكثر من كونت .
أخيرا فان قانون التطور الاجتماعي الذي جاء به سبنسر قد اثر في نظريات التطور عند علماء الاجتماع الوظيفيين الذين جاؤوا بعده وفي طليعتهم تالكوت بارسونز و دوركايم .
3. الوظيفية عند اميل دوركايم
لـ اميل دوركايم دور موثر في تأسيس النظرية الوظيفية . ومبدئيا فان تاثيرات كونت و سبنسر في الوظيفية تجد امتدادتها عند دوركايم في الكثير من ابحاثه سواء المتعلق منها بـ" تقسيم العمل الاجتماعي " او " الاشكال الاولية للحياة الدينية ". اما فعليا فثمة معالجة لمفهوم الوظيفة وعلاقتها بالبنى الاجتماعية كالدين والعمل والثقافة والفرق بين السبب الاجتماعي والوظيفة الاجتماعية ...الخ

بعض اسهامات دوركايم في تأسيس البنيوية الوظيفية
اولا :
ان اهتمام دوركايم بالوقائع الاجتماعية جعله يهتم ايضا بالاجزاء المكونه للنسق الاجتماعي من جهة وعلاقات الاجزاء ببعضها البعض ومن ثم تأثيرها على المجتمع . ففي حديثه عن الوقائع الاجتماعية وجد نفسه مضطرا لإعطاها اهمية كونها تندرج في اطار في بنى ومؤسسات سعى دوركايم الى البحث عنها .
ثانيا :
اعتنى دوركايم كثيرا بالبنى والوظائف وعلاقاتها بحاجيات المجتمع . وهذا يعني اهتمامه بالبنية والوظيفة كعنصرين هامين في التحليل السوسيولوجي .
ثالثا :
من اهم الامور التي قام بها دوركايم تمييزه بين مفهومين هما " السبب الاجتماعي " و " الوظيفة الاجتماعية ".
اذ ان دراسة " السبب الاجتماعي " سيعني الاهتمام بمبرارات وجود البنية . اما دراسة " الوظيفة الاجتماعية " فستعني الاهتمام بحاجيات المجتمع الكبيرة وكيفية تلبيتها من طرف بنية معينة .
مثال :
اذا درسنا سبب ظهور الاسرة النووية فسنفكر ما اذا كان التصنيع وانتقال الناس من حال الى حال هو السبب في ذلك ، كما سنتساءل عن وظيفة الاسرة النووية كبنية جديدة في المجتمع الصناعي .
رابعا :
رفض دوركايم رفضا قاطعا فكرة اسطورية الدين ، واكد في المقابل على انه ظاهرة عالمية وبالتالي لابد وان تكون له وظيفة في المجتمعات البشرية . فمن بين وظائف الدين عند دوركايم وابن خلدون العمل على توحيد الناس وخلق روح التضامن الاجتماعي بينهم عن طريق القيم الثقافية والاعتقادات الدينية التي يدعو اليها هذا الدين او ذاك .
مثال : وظيفة الشعائر الدينية
يقدم دوركايم في كتابه " الاشكال الاولية للحياة الدينية " نموذجا للمعنى الاجتماعي للشعائر الدينية او الحفلات المراسمية . ففي نظره تحقق الشعلئر الدينية التماسك الاجتماعي من خلال أدائها لاربع وظائف :
§ مراسم الحفل ، وهذه تهيئ الفرد للحياة الاجتماعية من خلال فرض الطاعة عليه .
§ إن وظيفة الشعائر الدينية تتمثل في كونها تقوي من تماسك المجتمع وترابط العلاقات بين الافراد والمجموعات .
§ تجدد الشعائر الدينية لدى ممارستها التزام الفرد لتقاليد المجتمع .
§ يشعر الفرد بالراحة والحماس الاجتماعي اثناء مشاركته بالحفل الديني.
عبر هذه الحالات الاربع فإن الشعائر الدينية تساهم بتلبية الحاجات الدينية للفرد ، ومن ثم يتضح من التفكير السوسيولوجي الدوركايمي ان كل وحدة اجتماعية في المجتمع لها علاقة بالمجتمع الكبير وفي كل الوحدات الموجودة فيه ويعتقد دوركايم ان الانسجام في المجتمع يصبح واقعا مجسما عندما تسود هذه الحالة الطبيعية . أي عند قيام هذه الوحدات الاربع بوظائفها في المجتمع ككل .
خــامسـا : مفهوم الوظيفة عند دوركايم
يعرفها كما يلي :
" تتمثل وظيفة العناصر الاجتماعية في مساهمتها في الحفاظ على مجرى الحياة في المجتمع " .
فالثقافة هي التي تمثل جانبا من العناصر الاجتماعية فتشمل اللغة ، العادات ، والتقاليد ، والعقائد الدينية ، القيم الثقافية ، وكل هذه العناصر تمثل مؤسسات اجتماعية لها وظيفتها ولايمكن الاستغناء عنها لاهميتها في مجرى الحياة الاجتماعية ولكونها تشكل العناصر البنيوية في المجتمع .
ومن ملامح الوظيفية النظرية انها تنظر الى المجتمع كنسق اجتماعي أي وحدات اجتماعية مختلفة نسبيا تساهم في وظائف مختلفة لدفع المجتمع وتقدمه . وحسب دوركايم فـ" ان الانسجام من ملامح الرؤية الوظيفية " لا بل انها تنظر الى المجتمع على اساس انه مستقر وليس هناك ما يعكر صفوه من صراعات ونزاعات بما ان اجزاءه تتكامل في القصد والهدف .


الوظيفية والصراع الاجتماعي عند دوركايم
من خلال كتاب :
" تقسيم العمل الاجتماعي "

يعتبر الكتاب اهم النصوص المنهجية في علم الاجتماع والتي حللت التصورات الطارئة خلال القرنيين 18 و19 م ، لذا خصص دوركايم الكتاب ليوضح رايه في امكانيات تطبيق المقاربة الوظيفية انطلاقا من مبدأ دوركيمي يعتبر الوظيفية مبدأ نسبيا منهجيا .
اذن الوظيفية لدى دوركايم هي تطبيق نسبي .هذا ما يتوصل اليه انطلاقا من تجربة المجتمعات الاوروبية عامة وفرنسا خاصة حيث لا يتجاهل دوركايم وصف كونت الذي كان يعتبر القرن الـ18 تكريسا للقطيعة مع الفكر اللاهوتي والميتافيزيقي . أي قطيعة مع كل فكر إطلاقي حتمي .
يعتبر دوركايم الظاهرة نسبية بحكم ظروف نسبية انتاجها وظروف التحكم بها وفي نفس الوقت يرى ان الظواهر المعتلة والشاذة هي ايضا لها وظائف وليس صححيحا انها ظواهر غير طبيعية . فظاهرة الاختلال في عمل المؤسسات او في التجارة هي ظواهر معتلة وشاذة ولكنها ايضا طبيعية اما حالات الانخرام الكامل كانخرام النظام الاجتماعي فهذه – مثلا - حالة غير طبيعية لانها تعبر عن صراع مدمر وهوما يرفضه دوركايم الذي يعتبر فكرة الصراع المدمر هي حالة غير طبيعية بامتياز . ولكن لماذا هذه النظرة الرافضة لفكرة الصراع ؟
لـ دوركايم تبريرا علميا ، ذلك ان مفهوم الوظيفية عنده يتضمن اصلا بعدا اخلاقيا واضحا ، ومن المهام العلمية التي يطرحها على نفسه هي تاسيس علم الاخلاق . فهذه الاخلاق هي اخلاق اجتماعية مدنية . كما أن دوركايم يربط بين الوظيفية وشيئ اخر هو " التجانس " وهو مفهوم مركزي لدى دوركايم . لذا نراه يصر على نسبية الظاهرة وعدم اطلاقيتها كون التحليل الاجتماعي لا يبحث في علة الظواهر بل في وظيفتها . وهذه الوظيفة ذات بعد متجانس . كيف ؟
في كتابه " التربية الاخلاقية " ، المنشورات الاجتماعية بفرنسا 1966 " يعرف دوركايم المجتمع كما يلي :
1. المجتمع لايمكن ان يستمر الا اذا وجدت درجة كافية من التجانس والتربية ترسخ وتدعم هذا التجانس .
2. اما وظيفة المجتمع فهي تحقيق التجانس ، وادوات التجانس هي التربية .
وفي نفس الكتاب نجد نفس الفكرة تقريبا : " ان المجتمع هو قبل كل شئ ضمير ، وهو ضمير المجموعة الذي يجب ايصاله الى الطفل " .
يبدو من خلال هذين التعريفين أن الوظيفة التي يشير اليها دوركايم هي وظيفة اجتماعية بحتة تحقق تجانس المجتمع ، وبما ان دوركايم يشتغل في حقل اجتماعي متكون " ناجز " فمن الطبيعي ان يُنَسِّب الوظيفة الاجتماعية بخلاف مالينوفسكي و راد كليف براون اللذان دافعا عن حتمية الوظيفية . فكيف نفسر هذا الاختلاف ؟


الوظيفية في علم الاجتماع الامريكي

ان ظهور المدرسة الوظيفية عند بعض رواد علماء الاجتماع الغربيين ما لبث ان انتقل الى العالم الجديد وباتحديد الى المجتمع الامريكي حيث عرفت الوظيفية أوج نموها بين العديد من علماء الاجتماع الامريكي فيما بين الخمسينات 1956م والسبعينات 1975م من القرن العشرين ، اذ اصبحت المدرسة السوسيولوجية تتمتع بسلطة لا تضاهى في هذه الفترة بالذات . أي انها كانت سيدة الموقف كنظرية سوسيولوجية معاصرة والاكثر انتشارا.

أولا : الوظيفية عند تالكوت بارسونز
يعد بارسونز اشهر عالم اجتماعي وظيفي في الولايات المتحدة الامريكية والعالم الغربي على العموم . وعلى امتداد اكثر من نصف قرن من الكتابة والبحث استطاع بارسونز طبع علم الاجتماع بتحليلاته الوظيفية ، وهو مثل ألن تورين و بيير بورديو و جاك بيرك و آرون تتميز كتاباته بالاسلوب الصعب في حين ان كتابات روبرت ميرتون هي الاسهل في علم الاجتماع .
ان اكبر مساهمة جاء بها بارسونز في علم الاجتماع هي تركيزه في التحليل السوسيولوجي على المجتمع ككل . ويرى بارسونز ان هذا التركيز يساعد عالم الاجتماع على تحاشي الاهتمام بدراسة مواضيع معزولة مثل جنوح الاحداث او المشاكل العائلية . ويعتقد انه يجب دراسة تلك القضايا في اطار عمل النسق الاجتماعي ككل .
هذا الوظيفي العملاق يلاحظ ان الرؤية الوظيفية تبدأ من الكلي وتتجه نحو الاحداث . فعندما نرى جزئية في المجتمع فاننا سنحاول تفسيرها وليس العكس بان نفسر المجتمع من خلال جزيئاته . وفي توجهاته النظرية يتشابه بارسونز مع كارل ماركس في هذه النقطة بالذات أي ان كلا منهما يركز تحليله على المجتمع ككل وهذا واضح في كتابات كارل ماركس الذي انطلق من المجتمع في طبيعته ، من الناس ومن المجتمع ككل . لذا نرى بارسونز ايضا يتبنى منهج كارل ماركس الذي انطلق من الكل لتحليل الجزئيات .
ان علماء الاجتماع الوظيفيين الذين ساروا على خطى بارسونز جعلوا من الاستقرار الاجتماعي الهدف النهائي للتحليل السوسيولوجي . وهذا يعني انهم يركزون في المقام الاول على الظروف التي تؤدي الى علاقات اجتماعية متلاصقة والى الادماج السهل للعديد من الاجزاء المفصولة في المجتمع وترتيبها في وحدة مترابطة .
فتحليل بارسونز يفيد بان تركيبة المجتمع الامريكي تتكون من [ فئات بيضاء وسوداء واسيوية وامريكية لاتينية ] ومداخيل مختلفة [ اغنياء ، وفقراء ، متوسطو الدخل ومتدينون ] وفئات عمرية مختلفة [ كهول ، شيوخ ، اطفال ...الخ ] . ويتساءل بارسونز : كيف تسطيع هذه الفئات المتباينة ان تتضامن مع بعضها بطريقة متناسقة نسبيا دون ان يذهب كل في طريقة بحيث تكون النتيجة الصراع الخطير ؟
هذا التساؤل يطرح في واقع الامر قضية " التآلف " عند دوركايم او ما يعرف بالتضامن الآلي في المجتمعات البدائية والتضامن العضوي في المجتمعات الحديثة . هذا هو ما يشدد عليه بارسونز الذي يعتقد ان التحليل الوظيفي يؤكد انه رغم التباينات والاختلافات والفروقات فان المجتمع يؤمن لنفسه الاستقرار وبالتالي ينبغي الا نتخوف من تنوع التركيبة المجتمعية ، فثمة نوع من الادماج الذي يتكون من اجزاء تترابط بفعل عوامل اللغة مثلا . فاللغة الانجليزية هي اللغة الرسمية وكل شخص يحضر الى الولايات المتحدة عليه واجب تعلم اللغة الانجليزية .
لقد عالج بارسونز بعض المؤسسات المحددة كالاسرة والاقتصاد والدين والحكومة ليبين كيف يساهم كل منها في الاستقرار الاجتماعي ، ولو اخذنا الاسرة كنموذج لدراساته ووظيفتها في الاستقرار الاجتماعي فسنرى كيف يبين لنا بارسونز ان للاسرة النووية الامريكية وظيفتين هما :
1. التنشئة الاجتماعية للاجيال الجديدة ، فلكي يقع دمج هذه الاجيال بالمجتمع الكبير ينبغي عليها ان تتعلم القيم الاجتماعية والثقافية والانشطة والمهارات الاجتماعية لمجتمعها .
2. تعمل الاسرة النووية بنظر بارسونز على تمكين شخصية الكهول من الاستقرار . فالعمل والعلاقات الخارجية عن الاسرة في المجتمع يمكن ان تكون صعبة ومصدرا للضغوطات على الافراد والكهول ومن ثم يعتقد بارسونز ان وظيفة الاسرة الحديثة تتمثل في التقليل من درجة التوتر الناتج عن المحيط الخارجي للاسرة وهكذا تحافظ الاسرة النووية على توازن واستقرار شخصية الكهول وهو ما لم تعد توفره الاسرة الممتدة في المجتمع الصناعي .

ثانيا : الوظيفية عند روبرت ميرتون [ = الوظيفية الامبريقية المتوسطة ] و " الوظيفيون الجدد "
يعد مقال روبرت ميرتون " Toward the codification of Functional analyes in Sociology " أهم نقد وجه للبنيوية الوظيفية في علم الاجتماع . فما هو محتوى المقال ؟
نقد ميرتون :
ينتقد ميرتون ثلاث مسلمات يتصف بها التحليل الوظيفي :
1. الوحدة الوظيفية للمجتمع
ترى هذه المسلمة ان كل العقائد والممارسات الثقافية والاجتماعية تؤدي وظيفة واحدة لكل من الافراد والمجتمع . كما تعتقد ان اجزاء النسق الاجتماعي تتمتع بدرجة عالية من التكامل . وفي هذه النقطة بالذات يشير ميرتون الى صحتها ولكن بالنسبة للمجتمعات البدائية الصغيرة وليس بالنسبة للمجتمعات الكبيرة المعقدة . لذا ينبغي عدم تعميم هذه المسلمات .
2. الوظيفية الشاملة
تعني هذه المسلمة ان كل الاشكال والبنى الثقافية والاجتماعية في المجتمع تقوم بوظائف ايجابية ويرى ميرتون ان هذا قد يكون مخالفا لواقع الحياة اذ ليس بالضرورة ان تكون كل بنية او تقليد اوعقيدة تتصف بوظائف ايجابية . ومن واقع المجتمعات العربية فإن فكرة الوحدة العربية على سبيل المثال ربما لا تصمد في بعض الأحايين امام الفكرة الوطنية التي تسعى الى ابراز الهوية القطرية على حساب الهوية القومية كما ان الفكرة قد تثير تحفظات بين العرب لا سيما لمن يحاولون احياء التراث القديم كالفرعونية والامازيغية وكذلك الامر ينطبق على فكرة الوحدة الاسلامية حيث يبدو الدين يلعب دورا وظيفيا متفاوتا بين الشعوب العربية والاسلامية .
3. ضرورة وجود الاجزاء
ترى هذه المسلمة ان الاجزاء المكونة للمجتمع لا تقوم بوظائف ايجابية فحسب بل هي تمثل عناصر ضرورية لعمل المجتمع ككل . وهذا يعني ان البنى الاجتماعية والوظائف ضرورية بالنسبة لمسيرة المجتمع الطبيعية أي انه ليس هناك بنى ووظائف اخرى قادرة على القيام بمسيرة المجتمع كالوظائف القائمة الان . وحسب ميرتون المتأثر بأستاذه بارسونز لابد من الاعتراف بوجود عدة بنى ووظائف داخل نفس المجتمع .
مشروعية النقد
يتلخص بطموح :[ نحو نظرية امبريقية متوسطة اكثر شمولية واقدر على تفسير الاحداث من الوظيفية التقليدية التي يعتبرها ميرتون جزئية وسطحية وغير قادرة على التفسير]
يرى ميرتون ان المسلمات الثلاثة السابقة لاتستند الى معطيات امبريقية بقدر ما هي مجرد افكار وانساق نظرية بحتة في حين ان واجب عالم الاجتماع فحص مدى مصداقية كل منها امبريقيا . لماذا ؟ لان الاختبار الامبريقي وليس المقالات النظرية هو الذي يمكن التحليل الوظيفي من التوصل الى ارساء منظور او باراديقم او شكل تحليل يكون بمثابة مرجع لتكامل النظرية مع البحث الامبريقي .
لذا يرى ميرتون ان التحليل الوظيفي ينبغي ان يدرس ظواهر محدودة مثل الادوار الاجتماعية ، الانماط المؤسسية ، العمليات الاجتماعية ،ا لانماط الثقافية ، البنية الاجتماعية وادوات الضبط الاجتماعي . ومن الواضح ان ميرتون أولى اهمية للدراسات الامبريقية في النظرية الوظيفية بدلا من التركيز على الدراسات الامبريقية لظواهر محدودة كجنوح الاحداث أو مدى علاقة ادوات الضبط الاجتماعي في الانحراف وما اذا كانت الانحرافات ناجمة عن خلل في التنشئة الاجتماعية او المنظومة القيمية والمعيارية كما ان ميرتون فرق بين " الدور" الذي يعالج فكرة الصراعات في المجتمع ويزداد تنوعا وتخصصا في المجتمعات المعقدة وبين " الوظيفية " ، فالفرد مثلا يمكن ان يؤدي ادوارا معقدة ومتخصصة ولكنه يعجز عن القيام بكل الوظائف . لهذا تبرز فكرة التخصص في الادوار عوضا عن القيام بشتى الوظائف .
العوق الوظيفي [ = الاختلال الوظيفي ]
يؤمن ميرتون بأن العناصر الاجتماعية يمكن ان تكون لها انعكاسات سلبية ، ولاصلاح هذا السهو الخطير في النظرية الوظيفية لجأ ميرتون الى استعمال مفهوم " الاختلال الوظيفي ". اذ يرى ميرتون ان البنى والتنظيمات الاجتماعية مثلما تساهم في الحفاظ عل الاجزاء الاخرى للنسق الاجتماعي للمجتمع مثلما يمكن ان تكون لهما انعكاسات سلبية ايضا .
مثال :
كان للنظام العبودي في الولايات المتحدة آثارا ايجابية على المواطنين البيض لا سيما فيما يتعلق بتوفير الايدي العاملة الرخيصة التي ساعدت على تحسين اقتصاد القطن وحسنت من المكانة الاجتماعية للبيض ، غير ان لهذه الميزة العنصرية آثارا سلبية جعلت السكان الجنوبيين في الولايات المتحدة يعتمدون كثيرا على الاقتصاد الزراعي مما أبقاهم غير مؤهلين "مهيئين " لتقبل التصنيع . فالفروق بين سكان الشمال وسكان الجنوب الامريكي يمكن ارجاعه الى العوق الوظيفي للنظام العبودي في الجنوب ففي حين أدى النظام العبودي وظيفة النمو الاقتصادي والاجتماعي في الشمال نراه أعاق عملية التقدم الاقتصادي في الجنوب .
تصنيفات ميرتون للوظائف
قسم ميرتون الوظائف في المجتمع الى نوعين :
1. الوظائف الظاهرة
وهي التي ترمي الى تحقيقه التنظيمات الاجتماعية . مثلا بأن تكون الجامعات مخصصة للدراسة والبحث العلمي والخدمة الاجتماعية .
2. الوظائف غير الظاهرة
وهي التي لاتأحذ التنظيمات الاجتماعية بالحسبان تحقيقها او العمل لاجلها ، كأن تمارس الجامعة وظائف سياسية او اقتصادية او تمثل فضاءات اجتماعية للتسلية والترفية واضاعة الوقت او تحقيق مكانات اجتماعية ...الخ
الخـــــــــلاصة
لاشك ان توضيحات ميرتون تمثل اضافات هامة بالنسبة لعلماء الاجتماع الذين يصرون على استعمال التحليلات الوظيفية في دراساتهم للوظائف الاجتماعية ، فتعديلات ميرتون للصيغ القديمة للنظرية الوظيفية تعد تعديلات ضخمة بحيث يمكن تسمية علماء الاجتماع الذين تبنوا تفكيره بـ" الوظيفيين الجدد "

sandibelch
عضو متطور
عضو متطور

انثى
عدد الرسائل : 21
العمر : 31
الموقع : ورقلة
العمل/الترفيه : طالبة
الولاية/البلد : ورقلة
تاريخ التسجيل : 10/12/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الموجز في النظريات الاجتماعية التقليدية والمعاصرة *

مُساهمة من طرف sandibelch في الأربعاء يناير 06, 2010 2:39 am

الجزء الثاني :
النظرية الاجتماعية المعاصرة

نظرية الصراع الاجتماعي
" رالف داهرندوف " R. Dahrendof


مفهوم الصراع الاجتماعي :
يحدث الصراع الاجتماعي نتيجة لغياب الانسجام والتوازن والنظام والاجماع في محيط اجتماعي معين . ويحدث ايضا نتيجة لوجود حالات من عدم الرضى حول الموارد المادية مثل السلطة والدخل والملكية او كليهما معا . اما المحيط الاجتماعي المعني بالصراع فيشمل كل الجماعات سواء كانت صغيرة كالجماعات البسيطة او كبيرة كالعشاثر والقبائل والعائلات والتجمعات السكنية في المدن وحتى الشعوب والامم .
والفكرة الاساسية تتجلى في القول ان قضية الصراع بين المجموعات البشرية هي في الواقع ظاهرة عضوية في الحياة الانسانية والعلاقات السائدة بينها . ويمكن ايراد نوعين من الأسباب حول استيطان الصراع الاجتماعي كظاهرة اجتماعية بين المجموعات البشرية :
1. ثمة ما يسمى بـ" الرموز الثقافية " وهو نوع من الاسباب التي تؤدي الى انسجام بين البشر او الى خصام . والخصام في هذا السياق قد يتجلى في الاختلاف على مفهوم السلطة المادية . فمن له الحق في السلطة وتملكها ؟ ولماذا ؟ هو سؤال يسمح بنشوب صراع .
2. ومن وجهة نظر ماركسية فان قضية العدالة الاجتماعية تعد متغيرا بنيويا في اثارة الصراعات الاجتماعية طالما ان هناك توزيع غير عادل للثروة .
بعض تعريفات الصراع الاجتماعي
يقدم علماء الاجتماع السياسي وعلماء الانثروبولوجيا بعض التعريفات التي تساعدنا في التعرف على معنى الصراع في ادبيات العلوم الاجتماعية ، ولنأخذ اثنين من هذه الادبيات :
أولا : رالف داهرندوف
يقدم عالم الاجتماع الالماني هذا الصراع على انه "حصيلة العلاقات بين الافراد الذين يشكون من اختلاف في الاحداث " .
ثانيا : لويس كوزر
هو عالم اجتماع امريكي معاصر اهتم بالنظرية الوظيفية وقدم مساهمة في نظرية الصراع الا جتماعي .
هذه المساهمة تعرف الصراع بـ :
" انه مجابهة حول القيم او الرغبة في امتلاك الجاه والقوة او الموارد النادرة " .
وفي هذا السياق للتعريف فان الاطراف المتصارعة لا ينحصر اهتمامها بكسب الاشياء المرغوب فيها بل انها تهدف الى وضع المناوئين اما في حالة حياد او ان يقع الاضرار بهم او القضاء عليهم .
مشروعية الصراع الاجتماعي
§ الجذور :
تهتم النظريات السوسيولوجية باستكشاف اسباب الصراع الاجتماعي وانعكاساتها ، وتحاول ان تطرح رؤىً فكرية بخصوص امكاية نفي المفهوم او التحكم فيه . أي البحث في استعمال المفهوم وتوظيفه لتبرير غايات سياسية او اقتصادية او اجتماعية او حتى فلسفية . ولكن كيف ؟
ان الفكر النظري حول الصراع الاجتماعي هو فكر قديم جدا ولعل نظرية كارل ماركس حول الصراع الطبقي تمثل حصيلة لتراكم الزاد المعرفي لهذه النظرية . فالصراع الاجتماعي عند ماركس له جذور اقتصادية تشكل الطبقات الاجتماعية اساسه عند المجموعات البشرية . فالصراع الطبقي حسب الماركسية هو القوة المحركة للتاريخ .
من جهة أخرى يرى البعض كـ " روبرت مالتوس " صاحب النظرية الشهيرة في السكان بان الثروات وقتل الملايين من الافراد عبر وسائل العنف المتعددة والمتنوعة هي مسألة ضرورية لتقدم البشرية . بعبارة اخرى فالصراع الاجتماعي من هذا المنظور اساسيا وضروريا لإحداث تغير اجتماعي ايجابي وكأن فلسفة التقدم والتنمية التي اجتاحت اوربا في القرن 19م ما كان لها ان تنجح لولا البعد العنفي الكامن فيها . وفي هذا السياق يبدو أن للصراع وظيفة ايجابية .
§ في علم الاجتماع
بالنسبة لنظرية الصراع في علم الاجتماع فيمكن الاشارة الى المعالم التالية :
فمن جهة تُعَدُّ نظرية الصراع الاجتماعي كطليعة للفكر الماركسي ، ومن جهة ثانية تُعَدُّ بديلا للنظرية البنيوية الوظيفية ، بل انها تمثل مخرجا للنظريتين فهي من جهة تحمل بذورالوظيفية وفي نفس الوقت تحمل بذور الماركسية لذا فهي تستعمل مضامين وجواهر كلا من الوظيفية والماركسية بحيث يستحيل ردّ اطروحاتها الى أي من هما منفردة .
كنا قد اشرنا الى النقد الذي تعرضت له البنيوية الوظيفية على عدة مستويات باعتبارها نظرية محافظة ذات طابع ايديولوجي وغير قادرة على التعامل مع التغيرات الاجتماعية كونها ركزت في انطلاقاتها علىاستقرار البنى الاجتماعية حتى فقدت القدرة على تحليل الصراع الاجتماعي . لذا يمكن القول بان نظرية الصراع الاجتماعي تمثل محاولة قام بها العديد من علماء الاجتماع للمحافظة على الاهتمام بمفهوم البنية والاعتناء بنفس الوقت بمفهوم الصراع .
ويعد كتاب عالم الاجتماع الامريكي " لويس كوزر" المنشور تحت اسم " وظائف الصراع الاجتماعي 1950 " أول محاولة تنظيرية في هذاالصدد . أي انه أول محاولة امريكية تتعامل مع الصراع الاجتماعي انطلاقا من رؤية البنيوية الوظيفية مما يعني ان كوزر انفرد نوعا ما بنظرة ايجابية للصراع الاجتماعي . ومع ذلك فالبعض يرى ان دراسة الصراع الاجتماعي يجب ان يتجاوز الوظائف الاجتماعية الايجابية لهذا الصراع . فما الذي يعنيه هذا البعض ؟
المعنى يكمن في النظرية الماركسية . فلعل ابرز ضعف تشكو منه نظرية الصراع الاجتماعي هو فقدانها لارضية النظرية الماركسية ، ولعل الاستثناء الوحيد في هذا الميدان هو عالم الاجتماع الالماني " رالف داهر ندوف " الذي حاول تلقيح نظرية الصراع الاجتماعي بأطروحة الفكر الماركسي فكان كتابه " الطبقة وصراع الطبقات " أهم عمل سوسيولوجي حول نظرية الصراع الاجتماعي .
ومع هذا فإن داهرندوف يكاد يستعمل نفس الاطار التحليلي الذي تبناه علماء الاجتماع الوظيفيون " البنى والتنظيمات الاجتماعية " . ومن ناحية اخرى فقد نبه داهرندوف الى أن عناصر النسق الاجتماعي يمكن ان تعمل معا متناسقة ويمكن ان تعرف صراعا وتوترات ذات بال ، فالمجتمعات تتمتع بحركية والصراع هو أحد ملامح هذه الحركية ومثلما ان هناك تناسق اجتماعي فثمة أيضا مجابهات وتوترات اجتماعية .
وفي النهاية يمكن النظر الى نظرية الصراع الاجتماعي على أنها مرحلة عابرة في تاريخ تكون النظرية السوسيولوجية . ويعود فشل تبلورها الى عدم الاستفادة الكافية من الفكر الماركسي الذي كان انتشاره ضئيلا قبل الخمسينات في القرن العشرين بين علماء الاجتماع الأمريكان ومع ذلك فالنظرية الصراعية هيأت الظروف المناسبة لقبول الفكر الماركسي بين المثقفين الأمريكان مع مطلع الستينات من نفس القرن .
ومما يؤخذ على نظرية الصراع الاجتماعي أيضا أنها تركز في تحليلاتها على البنى الاجتماعية مهملة بذلك دور الأفراد وتفكيرهم وسلوكاتهم ، فالوظيفية أصلا لم تعط دورا للفرد ولا أهمية له . والواقع أن علم الاجتماع الأمريكي لم يعط الفرد أي دور في فهم وتفسير الظواهر خلا نظرية التفاعل الرمزي للأنثروبولوجي الأمريكي "جورج هر برت ميد ".

نظرية الصراع عند رالف داهرندوف

مكونات النظرية " الجهاز النظري = المعرفي "
تتكون نظرية داهرندوف من عدة افكار ومقولات يمكن عرض ابرزها في الملاحظات التالية :
1. كل مجتمع يظل عرضة بصفة دائمة الى عملية التغير .
2. ان العديد من عناصر النسق الاجتماعي تساعد على تفكك المجتمع وإحداث التغير فيه .
3. كل مجتمع له نظام اجتماعي قائم على سلطة القهر والتهديد التي يمارسها أفراد المجتمع المنتصبون على قمة الهرم الاجتماعي.
إلى هنا يمكن أن نطرح عدة تساؤلات :
فهل من الممكن أن يبقى المجتمع جامدا غير متحرك ؟ وكيف نقيس سرعة التغير في المجتمع ؟ هل هو بطئ ؟ ام انه يسجل قفزات ؟ أم انه ذو طبيعة شاملة ؟ وما هي كثافة التغيير ؟
ان تربع طبقة ، فئة ، شريحة ما على قمة السلطة ستدفع الى الهيمنة والتسلط وبالتالي ستمهد الى صراع مكشوف على السلطة او الحقوق .
4. حسب داهرندوف فالنظرية السوسيولوجية ينبغي أن تنقسم الى قسمين :
§ نظرية الصراع : Conflect Theory وهذه تهتم بدراسة صراعات المصالح وأشكال القهر التي تحافظ على سلامة المجتمع .
§ نظرية الوفاق : Consens Theory وهذه تركز على دراسة الدمج في المجتمع " مثل النظرية الوظيفية "
وهكذا يعترف داهرندوف أن المجتمع لايمكن أن يوجد بدون وجود الصراع والوفاق معا واللذان يكملان بعضهما البعض . ولأن الصراع يحدث في المجتمع الذي يسوده الاتفاق في جميع أجزائه فان الصراع أيضا يحدث طالما يولد الحاجة الى الوفاق .

ملخص نظرية الصراع عند داهرندوف :
ينبغي بناء النظرية السوسيولوجية على مبدأين :
§ مبدأالصراع
§ مبدأ الوفاق
هذا يعني حسب النظرية الصراعية أنه لن يكون هناك وجود لاي مجتمع بدون حضور المبدأين الضرورين لبعضهما البعض . فالمجتمع الذي يسوده الاتفاق بين أجزائه لطالما يحدث فيه صراع بين اجزائه والعكس صحيح ، فالصراع طالما يؤدي الى اتفاق فيما بين اجزائه .

مناقشة النظرية
بداية ، فان عالم الاجتماع الألماني غير متفائل بخصوص الوصول الى نظرية سوسيولوجية وحيدة تشمل مبدأي الصراع والوفاق بين الأجزاء المكونة للمجتمع .
أولا : مفهوم السلطة لدى داهرندوف
في معاينته لعنصر السلطة في المجتمع يناقش داهرندوف مبدأ نشوب الصراع الاجتماعي . فهو يرى ان المجتمع يحافظ على النظام بواسطة ما يسمية بالضغوط القوية . وهذا يعني ان بعض المواقع الاجتماعية في المجتمع تتفوق بقوة السلطة على مواقع اخرى في نفس المجتمع . هذه قضية تذكرنا بنظرية ابن خلدون في الصراع الاجتماعي حين تتخذ القبيلة الاقوى من العصبية مبررا للهيمنة والتسلط واخضاع القبائل الاخرى الاضعف وبالتالي إقامة الحكم ، فالعصبية الغالبة هي التي تتفوق على العصبيات الاخرى الضعيفة وهي التي تنصب نفسها صاحبة القوة على قمة الهرم الاجتماعي وليس لها من وظيفة الا المحافظة على النظام الاجتماعي القائم في المجتمع .
اذن المحافظة على النظام الاجتماعي في المجتمع لا تتوفر الا من خلال الضغوط القوية . فما الذي يعنيه داهرندوف بوجود قوة مهيمنة عل القوى الاخرى ؟
هذا الواقع التسلطي لبعض القوى على القوى الاخرى قاد داهرندوف الى الاعتقاد بان التوزيع التفاضلي للسلطة يصبح ، باستمرار ، بمثابة العامل الحاسم في بلورة الصراعات الاجتماعية .وهذا الاعتقاد يطرح تساؤلات عديدة يبرزها الواقع الاجتماعي حول الجوهر الذي تدور حوله الصراعات الاجتماعية مثل : من له السلطة الاكثر في المجتمع ؟ او من هو صاحب الامتياز الاكبر في احتكار السلطة؟
هل هو الثقافي ؟
هل هو صاحب الرأسمال ؟
من يتحكم بمن ؟ ومن يسيطر على من ؟
من الملاحظ أن إثارة التوزيع غير العادل للسلطة يقرب داهرندوف من الرؤية الماركسية للصراع الاجتماعي .
فكلما كانت السلطة موزعة تفاضليا بين شرائح المجتمع كلما مثلت العامل الحاسم في نشوء الصراعات . هذه الفرضية ستحمل داهرندوف على الولوج إلى قلب النظرية الماركسية التي تتحدث عن طبقات مهيمنة وطبقات مهيمن عليها . فما هي الفكرة الرئيسية ؟
السلطة كواقع اجتماعي :
أولا : يتحدث داهرندوف في فكرته الرئيسية عن السلطة عن مواقع اجتماعية في المجتمع تتمتع بأحكام ورؤى مختلفة للسلطة ، وهذه المواقع هي التي تمتلك السلطة . فماذا يقصد بالمواقع الاجتماعية ؟
يقصد داهرندوف أن الأفراد في المجتمع بوضعياتهم الفردية في المجتمع لا يملكون السلطة . ولكن المواقع الاجتماعية التي يشغلها الأفراد هي التي تمتلك السلطة . فالسلطة إذن لا تأتى الى الفرد من حيث كونه فرد ، إذ أن المجتمع هو في أحد مكوناته يمثل مجموع الأفراد وليس من المعقول أن يتولى مجموع الأفراد السلطة . لذا فان السلطة لا تأتى إلى الأفراد من مواقعهم الفردية إنما من خلال المواقع الاجتماعية .
ثانيا : لم يهتم داهرندوف ببنية المواقع الاجتماعية فحسب . فكما قلنا فإن لهذه المواقع أحكاما ورؤىً مختلفة تجاه السلطة وبالتالي ثمة تعارض فيما بينها . وهذا يعني أن داهر ندوف سيهتم حتما بالصراعات فيما بينها . فأين تكمن هذه الصراعات ؟
في واقع الآمر فإننا حين نتحدث عن مواقع اجتماعية فلابد لنا أن نتحدث عن الأدوار الاجتماعية لأن كل موقع اجتماعي يؤدي دورا وهذه مسألة تحدَّث عنها الوظيفيون أو بعض من اهتم بالنظرية الوظيفية حينما جرى التمييز بين الوظيفة والدور ، فالدين مثلا بنية تؤدي وظيفة اجتماعية ؛ ولكن الكاهن / الشيخ / القسيس يلعب دورا دينيا قد يكون مختلفا عن الوظيفة التي يؤديها الدين . كذلك الأمر فيما يتعلق بالسلطة ، فالسلطة تؤدي وظيفية في المجتمع باعتبارها عنصرا بنيويا مركزيا فيه لا يمكن الاستغناء عنه ولكن المتمتع بموقع سلطوي يلعب دورا مختلفا عن الوظيفة التي تؤديها السلطة . وإذا كانت السلطة تمثل حاجة اجتماعية كما ترى الوظيفية فإن الدور لا يمثل حاجة اجتماعية إنما يعبر عن موقع اجتماعي يلعبه فرد ما .
لذلك فان داهرندوف يرى بأن الأصل البنيوي للصراعات الاجتماعية ينبغي البحث عنه في منظومة الادوار الاجتماعية التي تكشف عن مواقع الهيمنة ومواقع الخضوع . ولكي نفهم بنية سلطة مهيمنة ومهيمن عليها يجب أن نبحث عن طبيعة الأدوار الاجتماعية التي يضطلع بها كلا الفريقين . وعليه فإن المهمة الأولى عند داهرندوف في صياغته لنظرية الصراع تتمثل بتحديد أدوار السلطة المختلفة في المجتمع .
إذن السلطة الممنوحة الى المواقع الاجتماعية هي عنصر رئيسي في المنظور السوسيولوجي لداهرندوف وهؤلاء الأشخاص الذين يتمتعون بمواقع سلطوية يُنتظر منهم التحكم بأولئك الذين لا يملكونها ، ونظرا لأن السلطة تكتسب شرعية معينة فعلينا أن ننتظر معاقبة كل من يخالفها .

النظرية الكبرى للصراع

سيستعمل داهرندوف مقولات ماركسية في تحليل الصراع بين الفئات الاجتماعية المختلفة أو مكونات المجتمع البنيوية . ويمكن أن يتخذ التحليل طابع الماكرو سوسيولوجي كتحليل الصراع بين نمطين اقتصاديين عالميين كالرأسمالية والاشتراكية مثلا ، ويمكن ان يتخذ التحليل طابع الميكرو سوسيولوجي كالتنازع بين المجموعات المهيمن علها والمجموعات المهيمنة في إطار اجتماعي ما . ولأن داهرندوف عالم اجتماع ماركسي فهو يرى ان الصراع اساسه إما الميدان الاقتصادي أو ملكيات وسائل الانتاج . ولكن مثل هذه الصراعات باتت قديمة الطابع . ففي المرحلة الصناعية ظهرت صراعات جديدة مختلفة عن الصراعات القديمة ، فما الذي سيفعله داهرندوف لصياغة نظريته الكبرى حول الصراع ؟
§ إن العمليات الكبرى للرأسمالية التي تؤدي في نهاية المطاف إلى تنازع الطبقات فيما بينها هو ما تقول به النظرية الماركسية . ولكن التنازع حول ملكية وسائل الانتاج أي حول العوامل الاقتصادية لم يعد هو الصراع الوحيد ، ذلك ان العنصر البشري والمعطيات الاقتصادية المادية هي عناصر أخرى للصراع .
§ إذن منطلقات داهرندوف التي ظهرت في كتابه الشهير حول نظرية الصراع في المجتمعات الصناعية تتأسس ، أولا وقبل كل شيئ ، على تعميم عناصر الصراع الموجودة في نظريه كارل ماركس كمنطلق لبناء نظرية صراع كبرى . وهذا يعني أن محاولات داهرندوف تجاوزت المحتوى الماركسي لتبحث عن عوامل صراع جديدة والا كيف ينسجم داهرندوف مع نفسه حين يتحدث عن صراع ووفاق وحين يجعل من العلاقات الاجتماعية والقيم موضوعا لعلم الاجتماع الصراعي ؟
محتوى النظرية الكبرى للصراع :
حسب هذه النظرية فالمجتمع يتكون من مجموعتين يتحدد موقع كل منهما بما يمتلك من قوة وهما :
§ المجموعة المهيمنة
§ المجموعة المهيمن عليها
سمات المجموعتين :
1. كل مجموعة من المجموعتين تكوِّن مجموعة مصالح مشتركة تجعلها تقف موقف العدو من المجموعة الأخرى ، فحتى تحافظ كل من المجموعتين على وحدتها لا بد أن تخلق كل منهما بعض المصالح وإن كانت متناقضة .
2. تهتم المجموعة المهيمنة بالمحافظة على الوضع كما هو لأنها تقع في منطقة امتيازات أي مواقع اجتماعية نافذة بينما تهتم المجموعة المهيمَن عليها بالعمل على تغيير الوضع لصالحها . مثلا كأن تكافح المرأة لتغيير الوضع القائم لصالحها ، ففي هذا المثال يتضح أن المنظومة القيمية تحد من حرية المرأة وحقوقها بحيث يبدو مجتمع الرجال مهيمنا على مجتمع النساء في كافة مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ...الخ
3. وكمجموعات منظمة لكل منها مصالح مشتركة فمن الطبيعي أن يشعر أفرادها بالانتماء المشترك ويعملون على إنشاء وسائل مادية وأيديولوجية وقيادية للدفاع عن مصالحها الأمر الذي يؤدي الى تبلور الصراع بطريقة واضحة وظاهرة ، أي أن الصراع سيتحرر من حالة الجمود " الخفاء " الى حالة البروز " الظهور" ليغدو صراعا مفتوحا .
4. يرى داهرندوف أن الصراع كظاهرة اجتماعية في المجتمعات الرأسمالية الصناعية من الممكن أن يؤدي الى التغيير في المجتمع ، وهذا التغيير يحدث كلما استطاعت المجموعة المهيمَن عليها أن تضعف قوة المجموعة المهيمِنة عند ذلك يصبح التغيير الاجتماعي اكثر احتمالا بما يلائم أهداف المجموعة الحقيقية . والفكرة الأساسية تتعلق في وظيفة الصراع كوسيلة من وسائل التغيير .
5. ولكن ما أن تنتصر المجموعات الضعيفة وتنتصب على قمة الهرم الاجتماعي حتى تظهر في المقابل مجموعات معارضة جديدة ، وفي هذا السياق يتحدث داهرندوف عن حركية التغيير المستمر في المجتمع كونه متحرك غير جامد .
6. كما يعتقد داهرندوف أن الصراع بين مجموعتين في المجتمعات الرأسمالية والديموقراطية الحديثة ينتشر ليمس كل جوانب الحياة الاجتماعية في المجتمع كصراع المرأة ضد الرجل فيما يتعلق بالمشاركة في السلطة السياسية والمواقع الاقتصادية والأكاديمية والأسرية ، وحتى الدين والعلوم والفنون باتت معرضة للصراع .
ويخلص داهرندوف الى التأكيد على انه كلما انتقلت هذه النظرية من تفسير الصراعات الخفية الى تفسير التغيير الاجتماعي كلما اصبح واجبا أن تأخذ النظرية بعين الاعتبار سلوكات الأفراد والجماعات في أوضاع اجتماعية معينة ، إذ أن منطق الصراع تكمله حركية الصراعات . وهكذا فإن نظرية الصراع الكبرى لـ داهرندوف مثل نظرية كارل ماركس تعتمد على النشاطات الصغرى MICRO ACTIVE كمنطلق في تفسير العمليات التاريخية الكبرى المجسمة للتغيير.

الجزء الثاني من
الموجز في النظريات الاجتماعية التقليدية والمعاصرة
كنا قد تطرقنا إلى الأصول النظرية الاجتماعية في دراسة المجتمع والظواهر الاجتماعية، واطلعنا، مبدئيا، على النظريات الوضعية والبايولوجية والوظيفية، كما عرضنا لنظرية الصراع الكبرى عند داهرندوف كبداية للجزء الثاني الذي سنستكمله بعرض نظريات بيير بورديو في البنيوية ما بعد الحديثة ونظريات علم الاجتماع الدينامي لـ: ألن تورين والفردوية لـ: ريمون بودون.
أولا: البنيوية التكوينية
بيير بورديو
مقدمة
نظمت الجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع 2001 ندوة حول أعمال الباحث الاجتماعي الفرنسي الراحل بيار بورديو في مقر عمادة معهد العلوم الاجتماعية. وقدم للندوة الدكتور احمد بعلبكي رئيس الجمعية، مشيراً إلى أن هذا اللقاء هو للتعرف على أفكار بورديو في محورين:
- محور قراءاته للفلسفات الاجتماعية الكلاسيكية (ماكس فيبر، دوركايم، ماركس وبارسونز)
- ومحور تركيبته المفهومية والمنهجية في أبحاثه السوسيولوجية حول التأزم في قطاعات متعددة ( فن، مسرح، موسيقى وتربية ...الخ) في المجتمعات الشمالية. وعرض الدكتور بعلبكي عدداً من التساؤلات هي:
1- كيف أثرت الثقافة الفلسفية والانتروبولوجيا خاصة في تميز إسهام بيار بورديو في علم الاجتماع الحديث؟
2- هل أن هذه الثقافة الفلسفية والانتربولوجية هي التي أوصلته إلى مفهوم بنيوي للحقل الاجتماعي الذي يعصى على غير الاختصاصيين من أمثاله وهم القادرين على تمييز الصفات المخفية والأساسية من العلاقات والممارسات عن الصفات الثانوية المرئية التي يغرق فيها التجريبيون ممن يفتقرون إلى مثل تلك الثقافة الفلسفية والانتربولوجية؟
3- لماذا يرى بورديو أن كل علم من علوم المجتمع والإنسان يحتاج لإسهام علم الاجتماع الذي يحصنه من الوقوع تحت تأثير أجهزة القمع الرمزية؟
4- هل أن بورديو كما يبدو للبعض توفيقي بين ماكس فيبر و كارل ماركس أم أنه متمركس جديد يرى أهمية ثورة المعلوماتية و الاتصالات، فيرجح إمكانية التغيير النضالي الناتج عن دافع إبداعي ذاتي في تجاوز القوانين الموضوعية، هذه القوانين التي تحكم التغير وتعيد إنتاج آليات السيطرة في اللعبة الاجتماعية. وهذا ما جعله ينتهي في أخر نص كتبه ( في المجلة الشهرية Manierè de voir العدد 61 الصادرة عن جريدة ليموند) بمثابة وصية يدعو فيها إلى أممية جديدة في مواجهة النيوليبرالية المتعولمة.
بعد ذلك تحدث الدكتور علي سالم متناولاً هذه التساؤلات، إلى جانب نقاط محورية في فكر المؤلف، مشيراً إلى نظرته للمجتمع وإلى تركيزه على مفهومي المجال الاجتماعي والحقل الاجتماعي، وكيف أن الحقل الاجتماعي مثلاً هو عبارة عن سوق، مواقع، علاقات، أشخاص، مؤسسات، توزيع مختلف للسلطة أو لرأس المال، لعبة معينة، هيمنة، خضوع، منطق معين، ميزان قوى، قواعد، أهداف، رهانات، صراعات، منافسة، استراتيجيات، تاريخ معين، اتجاهات، ممارسات، مصالح أو أشكال من المصالح، تحولات، إشكاليات، معاني وقيم، تأثيرات، ميزان قوى رمزي... وإذا كانت هذه هي خصائص الحقل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بشكل عام، فإن الحقول الأخرى، مثل الحقل الثقافي، الحقل الأدبي، الحقل الفني، الحقل الفلسفي والحقل العلمي تتميز بخصائص متشابهة بعض الشيء. ومع أن بورديو يؤكد على استقلالية كل حقل من هذه الحقول، فإنه يؤكد أيضاً على الترابط والتشابك والتداخل بينها. وتهدف الاستراتيجيات في الحقول إلى زيادة رأس المال وتحسين الوضع الاجتماعي وزيادة رأس المال الرمزي...
وانتقل الدكتور سالم بعد ذلك إلى الحديث عن مسألة إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية، وكيف أن الحقل يعيد إنتاج نفسه، ووفق أية آليات؟. وإذا كانت إعادة الإنتاج ترتكز على استراتيجيات محددة وعلى التوافق بين أنظمة الاستعدادات والتصورات والبنى الموضوعية، فكيف يحصل التغيُر أو التحول الاجتماعي؟ وإذا كان بورديو قد أجاب عن هذا التساؤل بأن الهيمنة أو السيطرة قد تفرض نوعاً من المقاومة، أو نوعاً من الثورة الرمزية، وبأن هذه الثورة هي التي تؤدي إلى التحول أو التغيّر، فهل هذه الإجابة تعتبر كافية لإزالة الالتباس أو الغموض حول إشكالية التغير الاجتماعي والتنظير لهذه المسألة؟
أما حول كيفية تحديد تصرفات الأفراد والجماعات ضمن الحقل، وهل تتحدد بأسباب خارجية ( شروط اقتصادية، اجتماعية، تاريخية) أم بأسباب داخلية ( حوافز ودوافع شخصية)؟ وكيف يمكن التوفيق بين الحتمية والموضوعية من جهة والحرية الذاتية من جهة أخرى. وما هو موقف بورديو من هذه المسألة؟ يجيب الدكتور سالم بأن هذه الممارسات والتصورات ليست محددة كلياً بالخارج وليست حرة كليا، بمعنى أن المعارف ضمن الحقل هي معارف عملية، والمنطق هو منطق عملي، وإذا كانت هناك عقلانية ووعي وإدراك وإرادة وتخطيط ووضوح في الأهداف، فإن هذه العقلانية تبقى محددة... وينهي سالم بتساؤل حول ما إذا كانت هذه الإجابة تمنع تولد أسئلة إشكالية؟
أما حول منهجية بورديو السوسيولوجية البنيوية والتكوينية أو البنيوية النقدية البنائية، بمعنى التولد الاجتماعي لصور الإدراك والتفكير والفعل وتولد البنى الاجتماعية، أشار سالم كيف أن بورديو طرح القطيعة مع المعنى المشترك وعلم الاجتماع العفوي، وشدد على الحذر الابستمولوجي وبناء الواقعة، وشرح الاجتماعي بالاجتماعي وإمكانية تغيير أو تعديل الإشكالية والفرضيات والمتغيرات خلال البحث وبناء مفاهيم جديدة، وكيف تميز عن دوركايم و فيبر وماركس، وكيف تخطى الاتجاه الموضوعي والاتجاه الذاتي.
وأشار الدكتور سالم إلى أن مفهوم رأس المال وأشكاله عند بورديو يشمل رأس المال الاقتصادي، رأس المال الثقافي، رأس المال الاجتماعي، رأس المال الرمزي، رأس المال القانوني، رأس المال الصحافي، رأس المال العلمي. أما حول مفهوم الـ Habitus أو نظام الاستعدادات والتصورات، فقد جرى نقاش حول كيف يبنى هذا المفهوم أو يتكون، وما هي خصائصه وأدواره، وكيف ينظم التصرفات، وهل يسمح فعلاً بفهم منطق الممارسات الفردية والجماعية؟ وكيف ينظم الحظوظ الخارجية والدوافع الداخلية؟ كما تم الإشارة إلى مفهوم أخر هو الهيمنة أو السيطرة.
هذه صورة عامة عن اهتمامات بورديو السوسيولوجية كما طرحتها ندوة الجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع، وقد رأينا من المفيد إدراج الملخص أعلاه الكائن على موقع الجمعية على الشبكة الدولية. ولكن السؤال هو: ما هي تاريخية اهتمامات بورديو؟ بمعنى إلامَ يمكن رد إسهاماته الفذة في علم الاجتماع؟ وما هو محتواها؟ وكيف يمكن تعليلها؟
في واقع الأمر فالبنيوية إجمالا كانت تعطي صورة تقليدية عن المجتمعات لاسيما القديمة منها بحيث تظهر البنى وكأنها ساكنة لا حراك فيها. ولما ظهر كتاب كلود ليفي شتراوس حول " البنى الأولية للقرابة، 1949 " تغيرت المفاهيم فس وقت كان فيه بورديو حتى العام 1955 يتكون سوسيولوجيا ومعرفيا على نحو ملفت للانتباه. وفي وقت كانت البنيوية كنظرية اجتماعية تتجه للهيمنة على ساحات البحث الاجتماعي.
لقد كافح بورديو على جبهة ندر أن ماثله فيها أحد من السابقين واللاحقين عليه، فعندما كان بصدد تسجيل أطروحته في الدكتوراه فاجأ الأوساط العلمية والمعرفية برفضه الانصياع للقوانين السائدة والأطر التنظيمية والتحكيمية للمعرفة التي تسمح له بنيل شهادة الدكتوراه مبررا ذلك بأن على المرء ألا يلتزم بما لا يعتقد به ولا يؤمن بجدواه. ولعل بورديو بهذه الخطوة يكاد يكون وحيدا من بين العلماء الأفذاذ في العصر الراهن الذين لا يحملون شهادة الدكتوراه، ومع ذلك فقد تفتقت ذهنيته عن عبقرية مبكرة جدا تستحق التقدير والاحترام.
وقبل الخوض في بعض تفاصيل أروع المفاهيم التي قدمها لعلم الاجتماع يجد بنا التتطرق لمفهوم البنية والتغيرات التي طرأت عليه خلال فالحقب الزمنية المختلفة.
مفهوم البنية
ظل لفظ " البنية " حتى القرن17 محصورا على استعمالات الإطار المعماري، ولكن بدء منه استعمل اللفظ في الإطار البايولوجي بواسطة هربرت سبنسر الذي نقل استعماله من الحيز المعماري إلى إطار علم الاجتماع في أواخر القرن19 دون أن يتجاوز اللفظ حدود اللغة والأدب والفلسفة. بيد أن علماء الاجتماع التقليديين أمثال كارل ماركس ودوركايم وباريتو وماكس فيبر استعملوا اللفظ بهدف تعيين الخصائص الاجتماعية. وفي أواخر القرن19 غدا اللفظ مفهوما ملازما للدراسات الاجتماعية وأصبح من الممكن رؤية البنية على أنها: " تتواجد ضمنا في تحليل العلاقات والمؤسسات الاجتماعية. وأن أي رؤية للأحداث الاجتماعية كعوامل متعاقبة ومترابطة هي بنيوية ".
ومع أعمال ألتوسير وميشيل فوكو وجاك لاكان ورولان بارت تطور مفهوم البنية واكتست إرثا جديدا، ويمكن النظر إلى كلود ليفي شتراوس باعتباره أبا حقيقيا للبنيوية. وبهذا التطور باتت البنيوية عبارة عن عدة تيارات فكرية واجتماعية مما يحتم الإحاطة بمبادئها وركائزها.
ركائز البنيوية
• انطلاقا من اللغة فقد اعتبرت البنيوية أن الظواهر الثقافية هي أنظمة لغوية لا بد أن تحلل باتساق بواسطة تقنيات ومناهج مستقاة ومشتقة من الألسنية كالتركيب اللغوي، الصوت اللفظي، وحدة الأصوات، التضاد الثنائي، الاستعارة، الكتابة، ... إلخ
• كل ظاهرة ثقافية ينبغي أن يتم التعامل معها كما يتم التعامل مع اللغة. أي أن لها دال ومدلول، وبالتالي لا بد من علاقة تظهر الكوامن بمجرد تسليط الضوء على الأول.
• من المفترض أن ينصب التحليل البنيوي على الجانب التزامني وليس التعاقبي( التاريخي ) أو التطوري.
• التحليل البنيوي يتعامل مع القطيعة المعرفية واللاستمرارية. إذ أن مختلف التحولات التاريخية تعكس نماذج من القطائع المعرفية واللااستمرارية، فكل مرحلة أو حقبة زمنية لها هوسها وهواجسها المركزية التي تعكسها النصوص التاريخية التي تسمها.
• لا تعطي البنيوية للإنسان مكانة خاصة في العالَم الاجتماعي، فهو ليس شيئ ولا معنى خارج نطاق البنية والتفاعل البنيوي.
• يلاحظ في التحليل البنيوي ارتباط الظواهر الثقافية عن قرب بالسلطة. إذ كيف يمكن ملاحظة بنية أو دراستها خارج نطاق السلطة؟ إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الانضباط، العقاب، الخطاب الأيديولوجي، ... موجودة أصلا ضمن نطاق ممارسة السلطة؟
• تنظر البنيوية إلى عالمية( وحدة) المعايير التي تتحكم في دراسة المظاهر الثقافية. إذ أن تنوع الثقافات يؤدي إلى تنوع التعبير عنها، لكن البنى التي تتحكم في هذه المعايير متماثلة.
• البحث البنيوي يقوم على ملاحظات إمبريقية تشكل خطوة مركزية لاكتشاف البنى اللاشعورية للمظاهر الثقافية.
بنيوية بيير بورديو
لا شك أن بيير بورديو عالم اجتماع موسوعي لم يقدم على مغامرة علمية قبل أن يستطلع الطروحات التي سبقته لصياغة نظريته. وعليه فقد شكلت بنيوية ليفي شتراوس مفتاحا لدراسات بنيوية أشد عمقا وفهما وجدة بما أنها انطلقت من رؤية تكرار البنى باعتبارها عملية ليست جامدة بقدر ما هي متحركة ونشطة، هذا التصور لشتراوس جاء معاكسا تماما للدراسات البنيوية التقليدية حول الجماعات الإثنية والتي كانت تكتفي بملاحظة ثبات البنيات وتكرارها دون أن تبحث عن تفسير لهذا الثبات. وهي في واقع تصورات الأمر ذات طبيعة استعمارية رافقت الحركة الاستعمارية الأوروبية التي انطلقت في القرن19 ولم تر حينذاك في المجتمعات القديمة إلا بنى ثابتة أو مجتمعات بلا تاريخ. وعلى العكس من ذلك جاءت بنيوية شتراوس عبر " البنى الأولية للقرابة " لتفضح هذا التوجه من خلال مهمة حددها شتراوس لنفسه وهي " كشف الأنساق المستترة للعلاقات والقيام بتنظيمها" لتفتح بابا للتقصي بلا حدود. هذه الأطروحة جاءت حتى بخلاف ما ذهب إليه الطرح الماركسي الذي حصر تفسير البنية بالعامل الاقتصادي بما في ذلك البنيوية الفيبرية التي حاولت التعمق أكثر حين ركزت على الدراسات الطبقية ولاحظت مدى الصعوبة في تحديد المعايير الطبقية.
في البنيوية التكوينية ينطلق بورديو من رؤية المدى الاجتماعي (المدى الحيوي) كحقل من الصراعات الاجتماعية التي تقع في نطاق الطبقات. هذه الصراعات الطبقية التي ينبغي النظر إليها بعيدا عن المحتوى الماركسي التقليدي للصراع الطبقي، بل بمحتوى أحد المفاهيم المركزية في البنيوية التكوينية وهو الهابيتوس بوصفه منهجية ذات محتوى ثقافي وظيفتها إعادة إنتاج الصراع الطبقي بل وتكريسه عبر المحتوى الثقافي.
إذن الكلمات التي يستعملها بورديو مستعارة حقيقة من الماركسية، ويقدمها بمحتوى جديد عبر مفهوم " الرأسمال الثقافي " بوصفه رأسمال رمزي مقابل الرأسمال الاقتصادى بوصفه مفهوم مادي. بمعنى أن التمايز الاجتماعي لا يقع بالضرورة ولا يمكن رؤيته فقط في نطاق الرأسمال الاقتصادي كمدى حيوي بل في نطاق الرأسمال الثقافي ( الهابيتوس ) الذي يسعى إلى تكريس التمايز وإعادة إنتاج الطبقات لا شعوريا، لهذا فهو يتسم بالعنف الرمزي تماما مثلما هو الرأسمال الاقتصادي الذي يتسم هو الآخر بعنف مادي.
هكذا هي البنيوية التكوينية. فكيف عمل بورديو على إخراجها منهجيا؟ وما هي منطلقاته المركزية؟
أولا: الانطلاقة المنهجية
في محاولته لتحديد عمل البنيات وكيفية اشتغالها، وخلال سنوات تكوينه الأولى طرح بورديو سؤالا منهجيا: كيف تتجدد البنيات؟ وكيف تعيد إنتاج نفسها؟
للإجابة على السؤال كان على بورديو أن يقوم بمسح علمي سوسيولوجي ومعرفي ليتعرف على ما هو كائن من النظريات وما تقدمه وما هو محتواها، ومن ثم الاطلاع على النظرية البنيوية بكل تفرعاتها فماذا وجد؟ لأنه ركز بداية على سلوك الفاعلين بوصفهم معيدي إنتاج البنية فقد وجد أطروحتين في طريقه هما:
• الأطروحة الظواهرية
وهي التي تتمسك بسبر المقاصد دون النظر إلى جذورها الاجتماعية، لذلك فهي تحاول تحليل الوقائع الظاهرة للعيان، ولأنها كذلك فقد تخلى عنها بورديو باعتبارها لا تستجيب للبنيوية من حيث كونها تبحث عن الكوامن في الظواهر الكائنة.
• الأطروحة التي تركز على الانمحاء الجذري للفرد. وهي أطروحة غير محايدة. صحيح أن بورديو ركز اهتمامه على البنية وليس على الفرد، ولكن بما أن الفرد، بحسب الفهم الفيبري والبارسونزي، هو فاعل اجتماعي في نسق، فما قيمة أطروحة تغفل هذا الفاعل؟ وكيف يمكن لأطروحة من هذا النوع الذي لا يقيم وزنا للفرد أن تساهم في إظهار تفاعلات النسق من خلال السلوكات الفردية؟
ثانيا: التصورات النظرية
انطلاقا من هاتين الأطروحتين عديمتي الجدوى بالنسبة لبورديو فإن إجابته ستنتظم حول ثلاثة تصورات يسعى من خلالها إلى تحديد موضوع البحث الاجتماعي. هذه التصورات هي:
1- التصور الأول: نسق المواقف والعلاقات
فالموضوع الاجتماعي في هذا التصور هو الموضوع الذي يكشف عن مجموعة العلاقات الداخلية في البنية، أو هو نسق من العلاقات الذي يسمح لنا التحليل بالوصول إلى وِظافتها. أي التعرف على الطريقة التي تشتغل بها العناصر النسقية المكونة للبنى وكيفية ترابطها وأدائها واشتغالها.
وفي هذا السياق فإن هدف البحث الاجتماعي هو السعي إلى إظهار منطق النسق من خلال ثلاث عمليات:
• أولها إسقاط بعض الظواهر والقيام بعملية استكشاف متعددة. أي الكشف عن نسق العلاقات المحدِّدة واستبعاد المعطيات الحكائية والتاريخية والاقتصادية
• ثانيها تعليم النسق. أي الكشف عن أنساق التفاعل الداخلية والخارجية معا. فلو أخذنا أنساق المواقف داخل الجامعة مثلا لتوجب علينا النظر في نسقسن هما: النسق الداخلي، أي موقف السلطة الجامعية والنسق العلمي الذي يربط الجامعة بالخارج.
• أخيرا تطوير النسق عبر البحث عن تمييز كل الحلقات المترابطة العملية والرمزية والأيديولوجية وكل السلوكات الفردية التي يحددها نسق العلاقات.
هكذا يتوصل بورديو إلى استعمال مقولة الحقل الذي ينتظم بداخله كل أنساق المواقف والتفاعلات الآنفة الذكر. ومن الواضح أننا إزاء منهجية تبين لنا مشروعية استخدام مفهوم الحقل الاجتماعي ضمن الشروط المحددة ( الإسقاط، التعيين، التطوير).
2- التصور الثاني: الهابيتوس
تترجمه بعض المؤلفات بـ (الآبيتوس). ويكاد في الواقع أن يشكل جوهر نظرية بورديو في البنيوية، وهو أداة منهجية اختبارية يستطيع حتى الفرد المتخصص أن يسقطه على نفسه ليتعرف على مكانته الطبقية والاجتماعية بشكل عام. كما يمكن الفرد من قراءة المجتمع وتكويناته الطبقية بسلاسة ومتعة لا يعكر صفوها إلا شعور الفرد حقيقة وواقعا بالمدى الحيوي الذي ينتمي إليه. فما هو الهابتوس؟
يعرفه بورديو بأنه: " نسق الاستعدادات المكتسبة وتصورات الإدراك والتقويم والفعل التي طبعها المحيط في لحظة محددة وموقع خاص ". هو إذن موجه لسلوكات الفرد اعتمادا على مرجعية معينة تقع في البنية الذهنية وبالتحديد فيما يسمى بعلم النفس بالأنا الأعلى، أي الذي يتحكم بإجمالي الممارسات والسلوكات الناتجة عن الفرد بشكل لا شعوري. لذا يعتبر الهابيتوس من جانب آخر منتج الممارسات وأصل الإدراكات وعمليات التقويم والأعمال أو مجموعة القواعد المولدة للمارسات. أما موقعه فهو يتوسط بين العلاقات الموضوعية والسلوكات الفردية، وهو في آن معا ناتج عن استبطان الشروط الموضوعية مثلما هو الشرط اللازم للممارسات الفردية. ولأنه كذلك وكل ذلك فهو يضفي الشرعية على الترتيبات (الصراع الطبقي) والتمايز(العنف الرمزي والثقافي) دون حدوث أي صدام ظاهري بين الطبقات.
3- التصور الثالث: إعادة الإنتاج
تميل البنيوية التقليدية في دراستها للمجتمعات التقليدية إلى الاعتقاد بأن ثبات البنى هو أمر مكتسب دون أن تتحمل مسؤولية التساؤل عن الشروط المولدة لعمليات التكرار هذه. فقد حاولت الماركسية تقديم إجابة إجمالية لمشكلة إعادة إنتاج نسق الطبقات عبر التحليل الاقتصادي وتضخيمه إلى أقصى حد باعتماد علاقة وحيدة هي مدى تملك رأس المال.
ومن جهته حاول بورديو تحليل جميع أفعال إعادة الإنتاج من خلال دراسته للنسق المدرسي ووظيفته محاولا إدخال مفاهيم للتفسير مثل:
• العنف الرمزي
• الرأسمال الثقافي
• استراتيجيا إعادة الإنتاج
ثالثا: الصراع الطبقي
كيف يقع الصراع الطبقي؟ وأيهما أشد وقعا وتأثيرا على الفرد والمجتمع: الصراع الطبقي المادي؟ أم الصراع الطبقي الرمزي؟
يبدو الصراع الطبقي واضحا للعيان إذا ما انطلقنا من الرأسمال الاقتصادي. فمن خلال عملية إحصائية يمكن ملاحظة التدرج الطبقي اعتمادا على المهنة أو الدخل أو حتى المكانة الاجتماعية أو السلم القيمي الذي لا ينفصل كثيرا عن السلم الطبقي التقليدي. وهكذا يمكن معاينة الصراع باعتباره صراعا حادا ومكشوفا بما أن العامل الاقتصادي هو الذي يرسي هنا حجر الأساس في التفاضل الاجتماعي بحيث يمكن ملاحظة، وبحدود فاصلة، مختلف الطبقات الاجتماعية من الأكثر غنى حتى الأشد حرمانا.
ولكن ثمة رأسمال آخر يكشف عن صراع أعمق وأشد رسوخا، ومن الملفت للانتباه أنه يشرع التمايز حتى داخل الطبقة الواحدة دون أن يثير حساسية هنا أو هناك. هذا الرأسمال يسميه بورديو بـ "الرأسمال الرمزي " وهو ذاته " الرأسمال الثقافي " التعسفي الكائن مقابل الرأسمال الاقتصادي. هذا الرأسمال بمختلف مكوناته هو الذي يكشف عن هابيتوس أي طبقة ويجعل الصراع الاجتماعي الطبقي قائما ليس على أساس التنافس على فائض القيمة بل على استملاك كل الثروات المادية والرمزية. وعلى هذا الأساس يتنوع رأس المال بحيث نجد:
• برجوازية صغيرة متوسطة ذات رأسمال ثقافي أعلى من الرأسمال الاقتصادي كمتوسطي التجار والأطباء والمهندسين...إلخ
• وبرجوازية مثلها ذات رأسمال اقتصادي عال ورأسمال ثقافي محدود كصغار أرباب العمل.
• رأسمال اجتماعي ناجم عن قوة العلاقات الاجتماعية المستندة إلى أصول اجتماعية ذات نفوذ أصلا.
• رأسمال مكتسب كالرأسمال المدرسي والموروث.
• رأسمال الجسد كالجمال، الجاذبية...إلخ
هكذا يبدو الرأسمال بأنواعه طاقة جبارة مستخدمة وتتيح بناء المدى الاجتماعي وتشكيله وإعادة إنتاجه من جديد.
رابعا: الحقل الاجتماعي نموذج للدراسة
عندما يستعمل بورديو الحقل الاجتماعي في الدراسة والبحث فهو ينطلق من كونه يشتمل على:
• عملاء
• مشرعين
• واستقلالية
وعند دراسته للحقل المدرسي لاحظ أن فيها تعسفا رمزيا تشرعه القوانين والتقاليد المدرسية التي تشتمل في مكوناتها الظاهرة على عدالة مصدرها تكافؤ الفرص وخضوع الجميع للقانون. وعليه فالسلطة المدرسية تتسلم في واقع الأمر تفويضا من الطبقات المهيمنة لفرض التعسف الثقافي، فعن طريق هذا التفويض يتم تمرير العنف الرمزي بلطف.
فلو أخذنا مثالا كاللغة سنجد أن التلميذ الغني يختزن في ذاكرته رصيدا لغويا هائلا بالمقارنة مع التلميذ الفقير. فالأول يستعمل لغة تجريدية وله بروتوكول وإتيكيت عالي المستوى وله اهتمامات ثقافية ومدى اجتماعي واسع من العلاقات ورصيد من السلوكات والخبرات لم تكن متاحة لزميله الفقير، وحين يتقدم الاثنان إلى الامتحانات من الطبيعي أن تكون فرصة الطالب الغني في النجاح وتحصيل القدر الأكبر من العلامات أكثر من فرصة الطالب الفقير. هذا الواقع ينطوي على تعسف ثقافي مشروع يعترف به الجميع دون أن يدركوا ظلمه وفداحته، فليس من العدل أن يخضع التلميذان لامتحان من نفس النوع والمستوى في حين يتمايزان بشدة فيما لديهما من رصيد وفرص للنجاح. ومن الواضح أن التمايز الطبقي واضحا على الغم من أن المدرسة ذات سلط ونظام حياديين.
حقول أخرى للدراسة
لقد درس بورديو الكثير من الظواهر الاجتماعية والتي مست أدق تفاصيل الحياة اليومية مبينا فيها كيفية وقوع التمايز الاجتماعي وعنف الرأسمال الرمزي، ففي حقل الاستهلاك يمكن ملاحظة التمايز الطبقي في نوعية الأسواق وتعددها بحيث يبدو لكل شريحة أو طبقة اجتماعية أسواقها ومنتجاتها. ولو أخذنا هواية التصوير الفوتوغرافي مثلا لوجدنا أن رخص الأجهزة وتمكن مختلف الشرائح الاجتماعية من شرائها بهدف ممارسة الهواية كثقافة يمكن من خلالها استعادة الذكريات وحفظ تاريخ العائلة قد نزع من يد الطبقات الغنية أداة للتميز لاسيما وأنها تحولت إلى عادة مبتذلة وأصبحت شائعة بين الناس. ولكن لو أخذنا الفلاح في المجتمع الريفي لبدا التصوير الفوتوغرافي له نوعا من الترف الاجتماعي دون أن يكون للمسألة أي اعتبار للقيمة الجمالية أو الفنية كما هو الحال عند العامل في المدينة. كما أن للعمال أنماط ملابس خاصة تركز على الرخص و المتانة والبساطة دون اعتبار للذوق الجمالي أو الإتيكيت.
أما القوة الجسدية فتمثل بعدا من أبعاد الرجولة يمكن تنميتها ببعض الأطعمة أو التمارين الرياضية بحيث يمثل الجسد بجماله وقوته مظهرا من مظاهر التمايز حتى داخل الأسرة والحي والشارع والمدرسة... .
ومن جهتها لا تبدو الطبقات الفقيرة تقيم كبير وزن للثقافة مثلما يفعل أفراد الطبقات المسيطرة. فالفن التشكيلي والمسرح والنوادي الثقافية والاجتماعية والرياضية الخاصة كلها ممارسات من اختصاصات الطبقات الغنية.
وفي الحقيقة واعتمادا على الهابيتوس فيمكن لنا تعيين مظاهر التمايز الاجتماعي بلا حدود حتى في السلوك اليومي للفرد في الشارع والمؤسسة والبيت والمشي والجلوس والنوم والعمل والمراجعات وفي القيم والإتيكيت والأخلاق والمسكن وفي نمط المعيش والسفر وقضاء أوقات الفراغ والتسوق والدراسة والاستطباب والهوايات...إلخ
علم الاجتماع الدينامي
جورج بالاندييه- George Balandier
و ألن تورين-Alain Touraine
إن الموضوع العام لعلم الاجتماع الدينامي هو " دراسة التغيرات والتبدلات الاجتماعية والحركات الاجتماعية وصيرورة تحول المجتمعات ". ولا ريب أن التركيز على الصيرورة الاجتماعية إنما يندرج في أصول الفكر الاجتماعي الذي يتخذ من الدينامية الاجتماعية برمتها موضوعا للتفكير والبحث الاجتماعي.هذا التفكير يجد صداه التاريخي لدى سان سيمون وأوجست كونت اللذان تحدثا عن الكلية الاجتماعية ومراحل التطور الاجتماعي والإنساني عبر قانون الحالات الثلاث.
وفي السياق نشير إلى أن تطور التفكير في الدينامية الاجتماعية جسدته في الواقع أعمال ألكسي دي توكفيل الذي تصدى للتغيرات الاجتماعية وحلل المسألة في ضوء مبدأ تكافؤ الفرص، كما جسدته أعمال كارل ماركس أحد كبار هذا التيار الذي سعى إلى بيان أن تعميق التناقضات في المجتمع الليبيرالي سيؤدي إلى انهيار نمط الانتاج الرأسمالي ليحل محله نمط الإنتاج الاشتراكي ومجتمع العدالة الاجتماعية، كما جسدت تطور هذا التيار أعمال هربرت سبنسر في نهاية القرن19 من خلال نظريته التطورية التي رأت أن صيرورة المجتمعات آخذة في الاتجاه نحو أشكال أكثر تعقيدا وتباعدا يوما بعد يوم.
هكذا إذن فالتراث الأساسي والتطوري يؤكد لنا استحالة وجود نظرية واحدة تفسر التغيرات الاجتماعية. وفي الحقيقة ثمة حقل هائل من التساؤلات من نوع: كيف تحولت مجتمعات الأمس؟ ولماذا؟ وكيف يتم النحول في المجتمعات الحديثة؟ ولماذا؟ وعفي أي اتجاه؟ هذه الأسئلة تبعتها إجابات متعارضة تمحورت حول:
• مناقشات متأثرة بالخيارات السياسية عملت على التقليل من عمق التغيرات.
• مناقشات ثورية الطابع عملت على جعل التغيرات جذرية.
• مناقشات متنوعة نشأت وحامت حول مقولة التطور.
أولا: البدايات الأولى للتيار
كانت البدايات الأولى للتيار الدينامي قد ابتدأت مع أعمال عالم الاجتماع الفرنسي جورج بالاندييه والتي تركزت على إزالة الاستعمار والتنمية وتكون الدول الأفريقية غداة الاستقلال. وكان الهدف يتمثل في ضبط مدى التغيرات التي مرت بها المجتمعات الأفريقية قبل الاستقلال السياسي وغداته، وتبيُّن مختلف العلاقات الداخلية وارتباطاتها الخارجية. وبما أنها ذات أصول قبلية سياسيا واجتماعيا واقتصاديا فقد مرت بمرحلة تحول عميق مرتبط بالمرحلة الاستعمارية.
إن قوة أطروحات بالاندييه تكمن في النظر إلى المجتمعات الأفريقية بوصفها ذات مخزون هائل من الفعل الاجتماعي وليست مجتمعات باردة أو فراغية مثلما أشاعت النظريات الإثنولوجية التي روجت طويلا للقوى الاستعمارية منذ بدايات القرن19. فالمجتمعات ليست كما تبدو على السطح أو في الظاهر بل بما هو كائن في أعماقها. هذه النظرة لخصها بالاندييه بمقولته الشهيرة " المجتمع العميق "، وهي النظرة التي لم تستطع أن تلاحظها النظريات الماورائية أو أن تصل إليها.
لذا فالسؤال الذي طرح آنذاك هو: هل يمكن إزاء حدوث مثل هذه التغيرات الجذرية الركون إلى النظريات القديمة في تفسير التحولات وانتقالها من حالة إلى حالة. هل يمكن مثلا الاعتماد على النظرية الماركسية في التحول في حين أن التغير وقع بفعل الأداة الاستعمارية؟ وكيف يمكن الركون فقط إلى النظرية الماركسية لاسيما وأن ظواهر التحول الحديثة قد تجاوزتها بفعل التغيرات الهائلة التي مست علاقات الانتاج جراء التطور التكنولوجي فضلا عن عوامل أخرى كالتبعية والمقاومة الثقافية وعدم تحقق النبوءة الماركسية ذاتها القائلة بحتمية اتجاه التطور الضروري نحو نماذج سياسية متماثلة؟ وهل يمكن التحصن بنظريات تقليدية ورؤى إثنولوجية لا ترى في المجتمعات القديمة إلا مجتمعات باردة بلا تاريخ؟
لا شك أن استعمال المنهج الدينامي سيعني تجاوز الكثير من النظريات كليا أو جزئيا، والأهم من هذا أن أعمال بالاندييه شكلت مقدمة لما سيعرف بعد حين بعلم الاجتماع المستمر الذي سيعكف بدء من العام 1965 على صياغة مسألة جديدة، وليتساءل عما إذا كانت الملاحظات العامة التي توفرت عن دراسة المجتمعات الأفريقية تصلح كي تشكل مدخلا لدراسة المجتمعات الصناعية؟ هذا التساؤل نزع إلى التوسع والشمولية باتجاه صياغة إشكالية أوسع وأشمل تتناول إجمالي الطرح الدينامي: كيف نحلل الديناميات الاجتماعية؟ كما مهدت لطموح عريض سعت ضمنه أعمال ألن تورين " إلى إعادة النظر في التحولات الاجتماعية". فما الذي جد على ساحة علم الاجتماع؟ وما الذي يستدعي هذا الطرح؟
يبلغ ألن تورين من العمر ما يزيد على ثمانين عاما، ولقد جال أنحاء المعمورة عدة مرات وقضى حياته متنقلا وباحثا في أوروبا وكندا وأمريكا الشمالية واللاتينية بحيث يصعب القول أن هذا العالم غفل عما يقع في العالم من تغيرات وتبدلات جذرية. فقد لاحظ بحق تغيرات غير مسبوقة في المجتمعات كظهور المجتمع الصناعي بوصفه مجتمعا مبرمجا، ومنظما لا ينفك عن التحول والتبدل، مجتمع توجهه وتحدد اختياراته واستراتيجياته إرادته التي تمثل منظومة عمل تقع في مستوى التاريخانية والصلات الطبقية.
ولكنه لم يقبل أن يصيغ نظريته على أساس المجتمع الصناعي لاسيما وأن النظرية بذاتها صدرت بفعل دراسات أجريت بالدرجة الأساس على مجتمعات متخلفة، لذا نراه يصر، وهو محق في ذلك، على أن نظريته تخص كل المجتمعات الصناعية وغير الصناعية بما فيها البدائية. أما لماذا صاغها انطلاقا من المجتمع الصناعي فلأن ما يسميه بالتاريخية تكون أوضح للمعاينة وأيسر مما هي عليه في المجتمعات المتخلفة، إذ من الممكن توفر أدوات البحث الاجتماعي من إحصاءات وسجلات ومقابلات ومعايشات ورصد وتحقق ومقارنة وحرية البحث والتفكير بصورة لا تقارن لو كانت المسألة في مجتمع تقليدي من سماته إعاقة البحث العلمي، كما أن مدى التحقق في المجتمع الصناعي كواقع أوسع بما لا يقارن في أي نوع آخر من المجتمعات. وأيا كانت الأسباب فالتاريخية موجودة في كل المجتمعات والسؤال هو: ما هو حجمها ومقدارها وفعاليتها في هذا المجتمع أو ذاك وليس شيء آخر؟
ولما نتطرق إلى نظرية ألن تورين تجاه المجتمعات فمن المهم أن نلاحظ أنها ليست سوى منظومة عمل مستمرة لا تقبل، بتعبير دوركايمي، أن يفسر الاجتماعي بغير الاجتماعي. هذه المقولة التي يرددها على امتداد صفحات مؤلفه الضخم " إنتاج المجتمع " تجعله أكثر تشددا من بالاندييه ومصرا قبل كل شيء على وجوب القطع مع:
• كل تفسير جادت به الفلسفات القديمة: " ينبغي استبعاد كل سوسيولوجيا للقيم" لأن المجتمع هو" منظومة صلات اجتماعية ونقاشات وصراعات ومبادرات سياسية ومطالبات وصنوف ضياع" بينما منظومة القيم التي تستند إلى الرموز والتصورات الغيبية والقوى المطلقة فـ " ليست سوى أيديولوجيا متماسكة في كثير أو قليل وترتبط بفئات اجتماعية تتمتع ببعض السلطة ".
• الماركسية دون إغفال الإفادة منها. إذ "أن علم الاجتماع لم يعد، بالضرورة، ماركسي نصوصي ذو بعد واحد يفسر الظواهر الاجتماعية بعامل مهيمن هو العامل الاقتصادي". كما أن التفسير الطبقي للصراع الاجتماعي والتغير لم يعد العامل الحاسم في التحول، وبلغة ماركسية فإن الصراع الطبقي فقد سمته كقوة محركة للتاريخ لأن الصراع الاجتماعي بات صراعا من أجل إدارة وتوجيه التاريخانية وليس صراعا تناظريا ولا تنافسيا.
• النظرية الوضعية التي تجهد في النظر إلى المجتمع متأملة خضوعه لقوانين ينبغي البحث عنها واكتشافها والعمل بها للتخلص من العبث المنهجي. وهي في الواقع نظرية تم تجاوزها منهجيا منذ أربعينات القرن العشرين كما سبق وأشرنا في الجزء الأول من الموجز.
• وكذلك النظرة الحقوقية التي ترى المجتمع من خلال القوانين والعادات والأعراف والحقوق والواجبات ومن خلال الدولة وقدرتها على التدخل في المجتمع وإخضاعه وتكييفه. ذلك أن تورين يرى أنه ثمة ممارسات اجتماعية تقع خارج نطاق هيمنة الدولة وتراتيبها ومنظوماتها القانونية والتسلطية.
مكونات النظرية
يتحدد المجتمع عند تورين في مستوى التاريخانية والصلات الطبقية وليس بهذه الضمانات اللااجتماعية أو تلك سواء كانت قيمية أو دينية أو حقوقية أو تاريخية...إلخ، فالمجتمعات عنده تظل، مهما كانت ضعيف، ذات تاريخية، أي أن حقل التاريخية وليس المجال الجغرافي ولا هيمنة الدولة على المجتمع ولا الصراع الطبقي التقليدي ... هي التي تحدد اختيارات المجتمع وسيره وإنتاجه وإعادة إنتاجه، إذ أن للمجتمعات دائما نشاطاتها وشغلها وعلاقاتها البينية التي تظل بمنأى عن تدخل الدولة والقوى المهيمنة، وهنا بالذات يكمن سر اشتغال المجتمعات.
إن جواهر نظرية تورين يمكن انتزاعها من مقمة مؤلفه" إنتاج المجتمع- ص9 " حين يقول:
" إن مشكلة السوسيولوجيا الأساسة قوامها أن ندرك كيف يرتكز مجتمع على مجموعة من الاتجاهات وهو في الوقت نفسه تديره وتنظمه سلطة، وكيف يكون واحدا ومزدوجا، تاريخية وصلات، وشغله على شغله، الاتجاهات التي تحكم سيره. وإن هذا التباعد عن الذات ليستتبع بالضرورة انقسام المجتمع إلى طبقتين: إن جزء من المجتمع يتمثل في الطبقة القائدة، لا المجتمع هو بالضرورة الذي يأخذ التاريخية على عاتقه ويخرج من سيره كما يذهب إلى أبعد من استعادته ذاته نفسها بفضل المراكمة والمعرفة والنموذج الثقافي. هناك إذن فئة خاصة تماثل بين نفسها وأكثر ما في المجتمع من عمومية،عنينا تاريخيته. وتصبح هذه الأخيرة في الوقت نفسه موضع تملك خاص. أما الذين لا ينتمون إلى الطبقة القائدة والذين يشكلون طبقة الشعب فيقاومون هذه السيطرة والعمل التاريخي نفسه ولكنهم يشككون كذلك بتملكها الخاص ويحاولون استعادة الرقابة عليها بقلب سيطرة الطبقة القائدة. وإن صراع الطبقات على هذا النحو لا يمكن أن يتحدد إلا بالنضال من أجل الرهان الأقصى المتمثل في قيادة العمل التاريخي".
هذه المسافة التنظيرية من شأنها أن تجعل من العلاقات الاجتماعية هي الحقيقة أو الواقع الوحيد المتبقي والذي يمكن أن نلمسه بالدرس والتحليل. بعبارة أخرى فإن الصلات الطبقية الواقعة في حقل التاريخية هي الوحيدة التي تشكل الموضوع الراهن لعلم الاجتماع. ولا ريب أن هذه النتيجة أدت إلى إعلاء شأن الحركات الاجتماعية عند ألن تورين:
" إن الموضوع الرئيسي لعلم الاجتماع هو دراسة التصرفات الاجتماعية، وفي الدرجة الأولى، دراسة التصرفات التي ترتبط مباشرة بالتاريخية، أي بعلاقات وصراعات الطبقات، تصرفات ندعوها الحركات الاجتماعية".
هكذا نكون قد وصلنا إلى ضبط مكونات النظرية التي ستشمل ركنين أساسيين هما التاريخية والصلات الطبقية.
أولا: حقل التاريخية
يتألف الحقل من ثلاث مكونات هي:
1. المعرفة
هي أولى مكونات التاريخية، وتشكل صورة للمجتمع والطبيعة، وهي أساسية لأنها تبرز أكثر ما يكون الإبراز صورة للعالم وللعلاقات الاجتماعية ولِمَا كان غير اجتماعي واللغة ... كما أن هذه المكونة تظهر بوصفها قوة إنتاج بالدرجة الأولى في أول التحليل وفي أقصى نهايته. فهي إذن مجموعة وسائل وعمليات تقنية من جهة وعلامة تَباعُد المجتمع بالنسبة إلى سيره من جهة أخرى.
هذه المكونة تمثل للباحث أداة قياس لا تخطئ لجهة التقرير ما إذا كانت الضمانات المستوطنة في المجتمع هي ضمانات اجتماعية أو لااجتماعية، فالمعرفة والعلم مسألتان لا تقبلان الجدل ولا التضليل ولا المجاملات، فهما إما موجودتان أو غير موجودتين. وبما أن المعرفة والعقلانية هما حصرا قوة إنتاج فإن مقدار الإنتاج ونوعيته وجدواه وكفايته وقدرته على المنافسة يؤشران بقوة على مدى تمتع مجتمع ما بالمعرفة والعلم أو لا. وفضلا عن ذلك فالمعرفة تؤشر على مدى اقتراب المجتمع من الضمانات الاجتماعية أو ابتعاده عنها، أي أنها تحدد بدقة الاتجاه الذي يسير فيه المجتمع.
ففي مسألة السلطة فإن الاحتكام إلى الأطر المعرفية والتي تسمح بالحرية واحترام حقوق الإنسان والحق في الانتخاب وتداول السلطة على قاعدة مبدأ تكافؤ الفرص سيعني توفر الضمانات الاجتماعية، ودون ذلك سنكون أمام أطر معرفية تتمتع بضمانات قيمية أو أيديولوجية أو دينية.
ولو أخذنا مثلا مجتمعا يقيم وزنا كبيرا للمؤسسات القانونية والقضاء لقلنا أنه مجتمع له تصور واضح لعلاقاته الاجتماعية وعلاقاته مع العالم ويتمتع بأطر معرفية منتجة تتيح له القدرة على مأسسة القوانين بحيث تخضع النصوص القانونية الصادرة قبل نفاذها للمراقبة والتحقق والمساءلة من قبل مؤسسات ذات ضمانات اجتماعية. وبخلاف ذلك سيكون لدينا مجتمع ضماناته غير اجتماعية كأن تصدر بعض أو كل قوانينه لتلبي احتياجات فرد أو مجموعة أو تعكس رغبات فئة أو شريحة معينة، ففي مثل هذه الحالة لا نستطيع البتة أن نتحدث عن ضمانات اجتماعية ولا عن قوانين ممأسسة.
أيضا يمكننا أن نأخذ مثالا آخر كالعلم نفسه. فمتى يمكن الاعتقاد بأن العلم هو القيمة الاجتماعية الأعلى إذا كانت شروط إنتاجه ضعيفة أو أن الكم الأكبر من الخريجين في بطالة؟ أو أن نفتتح أقساما علمية في الجامعات لم يحن أوانها؟ أو أن تتخلى الدولة عن توظيف الخريجين أو أن تعجز مؤسسات المجتمع والدولة عن استيعابهم؟ أو أن نشهد تراجعا خطيرا في مستوى اللغة والقدرة على التفكير والتعبير والكتابة حتى لدى المستويات العليا من الخريجين؟ ألا يعني هذا ببساطة أن العلم غير منتج؟ وأن الاستثمار فيه خاسر؟ وأن الوضع بات خطيرا جدا على مستقبل المجتمع والدولة؟ وأخيرا هل يمكن للعلم أن يصل إلى هذا المستوى المتدني جدا لو كانت الضمانات المتوفرة اجتماعية أو توفر لدى المجتمع أطرا معرفية؟
2- المراكمة
إن الإنتاج وإعادة الإنتاج مسألة تفترض التعرف على الصيغ الاقتصادية وطريقة المراكمة. أما المكونة فتعني أن جزء من الإنتاج القابل للاستهلاك يتم اقتطاعه ثم استثماره في أعمال تحمل علامة النموذج الثقافي. ففي المجتمعات الصناعية تتجلى المراكة في عملية الاستثمار الإنتاجي، وهي عملية تتولاها الطبقة القائدة كيما يعاد توظيفها بما يطابق النموذج الثقافي ومصالح الطبقة المسيطرة.
وبطبيعة الحال فإن قوة التاريخية أو ضعفها في مجتمع ما هي التي تحدد أهمية المراكمة وقيمتها. وإذا بقينا في إطار المجتمع الصناعي فإن الجزء المقتطع من الإنتاج لتوظيفه بهدف إعادة الإنتاج وإنتاج الشغل عملية يمكن ملاحظتها بسهولة كأن تخصص شركة ما جزء من أرباحها – مثلا- لدعم البحث العلمي والتطور التكنولوجي الذي سيؤدي إلى ديمومة العمل والإنتاج والتطور. أما في المجتمعات ضعيفة التاريخية فيذهب جزء كبير من المراكمة إلى ذوي الامتيازات والمصالح الفردية أو الطبقة المسيطرة التي تدير التاريخية وتهيمن عيها لخدمة مصالحها دون أن تشارك المجتمع إلا في النزر اليسير من مصالحها وفيما لا يتعارض مع رغبتها بتحقيق أقصى قدر ممكن من المراكمة في أرباحها الخاصة.
من المثير فعلا للانتباه أن الكثير جدا من الشركات العالمية المصنعة ابتدأت مشاريعها بورشة عمل محدودة ما لبثت أن تحولت إلى شركة عملاقة في بضعة عقود كشركة دايو الكورية لإنتاج السيارات التي كانت في ثلاثينات القرن العشرين مجرد ورشة ميكانيك لا أكثر ولا أقل. زد على ذلك أن برجوازية الدول الكبرى راهنت واستثمرت في العلم والمعرفة مما جعلها شريكة للمجتمع وقائدة لاختياراته في حين نجد أن المراكمة في المجتمعات الضعيفة تكاد تكون غائبة حتى على المستوى الفردي ناهيك عن الجماعي. بل أن أكثر الشركات استثمرت في منتجات استهلاكية لم تفد أكثر من أصحابها.
3- النموذج الثقافي
ليست حالة القوى المنتجة في مجتمع ما هي التي تحدده تحديدا كافيا، بل العلاقات النشطة وقدرة المجتمع في التأثير على هذا النشاط. إذن هذه المسافة بين المجتمع وإدراكه للقدرة الخلاقة هي التس تسمى بالنموذج الثقافي، وهو النموذج الذي يقع إدراكه، فعليا، في المجتمعات المصنعة عن طريق العلم الذي يمثل أداة إبداع وليس قيمة تعبر عن مكانة اجتماعية كما هو الحال في المجتمعات غير الصناعية. فبواسطة النموذج الثقافي يقع تحريك إبداعية مجتمع ما وملاحظة قدرته على السيطرة وتحويل الطبيعة. أما في المجتمعات الضعيفة فالنموذج الثقافي يلاحظ من خلال ضمانات لااجتماعية.
ثانيا: الصلات الطبقية
إنها الركن الثاني في منظومة العمل التاريخي. وهي مسألة يقع النظر فيها لا من قبيل الهيمنة والتسلط والتنافس بغية السيطرة واحتكار السلطة والنفوذ والتميز كما هي الرؤية الماركسية... بل في ضوء التعارض الذي يعني السعي من أجل تملك التاريخية أو قيادتها أو توجيه العمل التاريخي.
وبمحتوى آخر، فالصلات الطبقية هي علاقات اجتماعية صراعية تستهدف قيادة العمل التاريخي. أما العلاقات المعنية فتقع في صلب حقل التاريخية وتحرك على نحو مباشر أو غير مباشر الطبقات الاجتماعية. فالطبقة المسيطرة هي تلك الطبقة القائدة التي تعبر، أيضا، عن النموذج الثقافي وتمارس إكراها على مجمل المجتمع. فهي تشرف عل إدارة المراكمة والاستثمار وتتمتع بالسلطة التي تسمح لها بإدارة الموارد المتراكمة. أما الطبقة المحكومة فهي التي تساهم في حركة النموذج الثقافي ولكنها لا تديرها، لذا فهي تتجه نحو مقاومة السيطرة لحماية عملها وطريقة معيشتها من جهة وتقاوم الاستملاك الخاص الذي يتعرض له النموذج الثقافي من داخله من جهة ثانية. وبمثل هذا الصراع الطبقي تظهر الحركات الاجتماعية.
الفردوية المممنهجية
ريمون بودون
تختصر هذه التظرية الإشكالية التاريخية التي ثبتت علم الاجتماع أصلا كعلم مستقل وهي إشكالية الكلية الاجتماعية والفرد ومسألة النظرية الاجتماعية. فالنظرية ظهرت في أعقاب النقد الشامل الذي تعرضت له العلوم الاجتماعية وقاده الفيلسوف الفرنسي الراحل كارل بوبر. وكان السؤال المركزي الذي الذي تعرض له علم الاجتماع يتمحور على الموضوع الأساسي للعلم هل هو في دراسة الكليات والأنساق الاجتماعية أم في دراسة سلوكات الأفراد واندماجها؟ وهو سؤال يستوجب التذكير بدوركايم وصعوبة الانتقال من الفردي إلى الجماعي ( ظاهرة الانتحار ) ولجوئه إلى الطرح الهولستي، أي رؤية كافة الأسباب الموضوعية للظاهرة.
أولا: دلالات النظرية
إن باراديقم النظرية يقول: " إن تفسير ظاهرة معينة يعني وجوب الأخذ ينظر الاعتبار أنها دائما نتيجة للأفعال الفردية، وأن هذه الأفعال هي المواقف والآراء والسلوكات ". وفيما يخص موضوع علم الاجتماع فالنظرية تميز بين ثلاث دلالات هي:
¨ رؤية الفردوية كواقعة اجتماعية.
فالإشكالية هنا تتعلق بتمايز أشكال الاندماج / الفرد ما بين المجتمعات التقليدية والمجتمعات الحديثة. وفي التراث السوسيولوجي نجد دي توكفيل كأول محلل للفردوية يبحث في حقوق وواجبات الفرد، بل أنه من خلال مبدأ تكافؤ الفرص يمكن تحقيق الاندماج الاجتماعي للفرد. وبالمثل يقدم دوركايم نظريته في تقسيم العمل الاجتماعي معتقدا أن تقسيم العمل سيؤدي إلى تعزيز استقلالية الفرد والحد من الاعتماد المتبادل خاصة كلما تعقد المجتمع الصناعي.
فالانتقال من المجتمعات البسيطة إلى المجتمعات المعقدة هو إذن واقعة اجتماعية مرت بها البشرية، والتغيرات مست الفرد والجماعة والنظام والسلوك ونمط الحياة، فلماذا لا نكون أمام واقعة اجتماعية يبدو الفرد مميزا عن ذي قبل وربما سيدا للمرحلة القادمة من الحياة الاجتماعية؟
¨ رؤية الفردوية كقيمة أخلاقية
إن النظر إلى الفردوية كمجموعة أحكام قيمية سيؤدي إلى بروز وجهتي نظر متلازمتين هما:
- وجهة النظر التقليدية التي تعتقد أن الفردوية ستؤدي إلى ضعف الاندماج وتفكك الروابط الاجتماعية وأواصر الولاء بين الأفراد.
- وجهة نظر دوركايم التي تعتقد أن الفردوية هي أحد سمات المجتمع الحديث، وهي بالتالي سمة أصيلة وقيمة بارزة ومنتجة من شأنها تدعيم الاستقلالية. غير أن دوركايم خشي من نزعة الأنانية التي قد تجتاح الفرد مع مناخ الحرية والإعلاء من قيمة الفرد.
¨ رؤية الفردوية كمبدأ منطقي.
إن للفرد أفعال اجتماعية مثلما أن له أفعال اقتصادية. ذلك أن معظم النجاحات التي حققها الاقتصاد تعود بالدرجة الأساس إلى مبادرات فردية إن على صعيد النظرية أو على صعيد العمل والإنتاج. فلماذا لا يكون هناك إنسان اجتماعي مثلما هو الإنسان الاقتصادي؟
ثانيا: المفاهيم المركزية التي تستعملها النظرية
تستعمل الفردوية ثلاثة مفاهيم لتحديد الموضوع الاجتماعي أو لدراسة الظاهرة الاجتماعية. وهذه المفاهيم هي:
¨ الإنسان الاجتماعي كنظير للإنسان الاقتصادي بوصفه فاعلا فرديا
تنطلق الفردوية إذن من فرضية المماثلة بين الإنسان الاقتصادي كفاعل له اختياراته واستراتيجياته والإنسان الاجتماعي كفاعل له اختياراته أيضا، وتدعو على هذا الأساس إلى:
1- النظر في السلوكات والأفعال الفردية للتساؤل عن اختيارات الأفراد المعنيين وصياغة الفرضيات على ضوء الاختيارات. هذه الدعوة هي التي تشكل التوجه النظري الحاسم للفردوية.
2- تنظر الفردوية إلى الأفراد بوصفهم فاعلين في وضعية تتطلب منهم تحديد اختيارات ومواقف.
3- تعمل الفردوية على إبراز دوافع هذه الاختيارات وتمثلات الفاعلين ومعتقداتهم ومعارفهم اعتمادا على التفكير العقلاني أو الأخلاق والمعارف المستبطنة لدى الفاعلين.
¨ الدور
لكل فاعل عدة أدوار اجتماعية تخضع لمعايير وإكراهات، غير أن الفردوية تنظر إلى هذه الأدوار انطلاقا من كونها تمثل رصيدا استراتيجيا مضمونا للفاعل ومدعوما من هامش الاستقلاقي وليس من كون الأدوار مجرد معايير إلزامية. لذا فالفردوية لا تهتم بإحصاء الأدوار المفروضة بل بكيفية أداء الفاعلين لها وكيفية الحكم على الأدوار الثانوية المقترحة عليهم وماهية الأسس التي يحكمون بها.
¨ أنظمة الاعتماد المتبادل = أنظمة تفاعل
إن نظام الاعتماد المتبادل هو نظام تفاعل يمكِّن من تحليل الأفعال الفردية دون الاستعانة بفئة الأدوار. إذ أن الدور بحد ذاته لا يعني الفردوية ولا يهما ولا يشكل حتى جزء من الظاهرة، ذلك أن نظام التفاعل يقترح النظر في السلوكات والتوقعات والطموحات الناجمة عن الفعل الاجتماعي وليس اشتغال الدور أو عدم اشتغاله. فالأفعال التي يقوم بها الفاعلون إنما تؤدي إلى ظواهر جماعية ليس للدور فيها شأن يذكر كظاهرة العنصرية لدى العمال الأميركيين أو إشاعة إفلاس البنك.
ثالثا: نماذج لظواهر الاعتماد المتبادل
أ) ظاهرة البروز
إن الفعل الظاهر هنا هو فعل اجتماع، وهو فعل لا يبحث عنه الفاعلون في النظام إنما ينتج عن
وضعية الاعتماد المتبادل. فلو أخذنا إشاعة إفلاس بنك ما ناجح في عمله سنجد أن أحدا ما ربما ألقى بمزحة بين مجموعة أفراد بأن البنك الفلاني على وشك تلقي خسارة أو إعادة تنظيمه أو بيعه لمستثمر آخر فلا نفاجأ أن تنتقل هذه المزحة بأسلوب الإشاعة لتصل إلى المودعين بصورة أن البنك خسر فيبدأ هؤلاء بسحب أموالهم لتكون النهاية إفلاس البنك وخسارته. من الملاحظ هنا أن الظاهرة ذات أصول فردية ناتجة عن فعل اجتماع، أي فعل الاعتماد المتبادل، فلو لم يكن ثمة أفراد يتناقلون الإشاعة لما خسر البنك.
ب) ظواهر ناتجة عن المفاعيل المنحرفة
تحدث مثل هذه الظواهر عندما يسعى فردان أو أكثر إلى تحقيق هدف معين قد ينجر عنه ظهور وضعية غير مقصودة وتطون خارجة عن رغبة أحد كظاهرة العنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية والتي أدت إلى إقصاء السود عن سوق العمل. فعندما قررت نقابات العمال شن إضراب عن العمل لتلبية بعض المطالب كتحسين الأجور اتفق البيض على استبعاد السود من الإضراب خشية الضغط عليهم وابتزازهم وتخريب الإضراب فكانت النتيجة أن لجأ أرباب العمل إلى الامتناع عن تشغيل السود، وتحولت المسألة إلى ظاهرة عنصرية.
ومنهجيا يمكننا ملاحظة أن الفردوية ترى أن التغير الاجتماعي لا يمكن فهمه في مستوى التحليل الماكرو سوسيولوجي بل من خلال التحليل الميكرو سوسيولوجي، ولعل هذا الموقف مرده إلى طبيعة النظرية ذات التوجه الجزئي وليس الكلي، فهي عاجزة عن مواجهة الظواهر الكبرى كما تفعل النظريات الشمولية.
رابعا: العدوان والصراعات الاجتماعية
من أجل فهم وتفسير نشأة الصراعات تدعو الفردوية إلى:
¨ القيام بتحليل كلي لوضعية الفاعلين من خلال التركيز على فهم سلوك الأفراد والتساؤل أو فحص العمليات التي أدت إلى بروز الصراع.
¨ القيام بتحليل أنماط العلاقات بين الفاعلين في نطاق:
- أنساق الترابط سواء داخل نطاق العمل حيث التركيز على مفهوم الدور.
- أو أنساق التفاعل الواقعة خارج نطاق القواعد والمعايير الملزمة بين الأفراد والجماعات. وهنا عندما نقوم بتحليل استراتيجيات الفاعلين ينبغي التمييز بين الأنساق الوظيفية حيث علاقات الأدوار المتبادلة وبين الأنساق الترابطية حيث العلاقات بين الأفراد لا تستدعي استحضار مقولة الدور.
* وثيقة لمساعدة الطلبة ولكنها غير صالحة للاقتباس

sandibelch
عضو متطور
عضو متطور

انثى
عدد الرسائل : 21
العمر : 31
الموقع : ورقلة
العمل/الترفيه : طالبة
الولاية/البلد : ورقلة
تاريخ التسجيل : 10/12/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى